في سكونِ أقسامِ العنايةِ المركّزة، حيثُ قد تتغيّرُ مصائرُ البشرِ في كلّ لحظة، يُسمَعُ صوتٌ منتظمٌ متكرر؛ صوتُ نبضاتٍ تُسجَّلُ على شاشةٍ. هذه الأجهزةُ هي شاشاتُ العلاماتِ الحيوية؛ إنها الأعينُ الساهرةُ للطبّ الحديث.
لا يمكن اليوم تخيّلُ أيّ غرفة عمليات أو قسمِ طوارئ أو وحدةِ عناية مركزة في العالم دون هذه الأجهزة. فهي تراقبُ بشكل مستمر نبضاتِ القلب، وضغطَ الدم، ومستوى أكسجينِ الدم، وإيقاعَ تنفسِ المريض، وتنبّهُ الطاقم الطبيّ عند حدوثِ أيّ تغيّربسيط؛ وهي تغيُّرات لا تفصلها عن وقوع الأزمات الصحية الحقيقية سوى ثوان معدودة.
تعود جذور هذه التقنية إلى العقود الوسيطة من القرن العشرين؛ حينَ شهدت المستشفيات في أمريكا وأوروبا استخدام أول أجهزة تسجيل مخطط القلب الكهربائي. في العقودِ اللاحقة، ومع تطوّرِ الإلكترونيات والمعالجات الدقيقة (الميكروبروسيسور)، تشكّلَ جيلٌ جديدٌ من الأجهزة: شاشات متعددةُ المعايير (البارامترات) قادرةٌ على تحليل وعرض عدة مؤشرات حيوية للجسمِ في آن واحد.
كانت إحدى الشركات الأمريكية من الرواد في تطوير أجهزة مراقبة المرضى، وهي التي أرست المعايير الأولية لهذه الصناعة. وفي الوقت ذاته، ركّزت اليابان على تقنيات تخطيط القلب الكهربائي الدقيقة، بينما شهدت أوروبا تطوير أجيال متقدمة من معدات المراقبة الطبية.
تحوّلت منتجات هذه الدول تدريجيا إلى معيار عالمي؛ فهي معدات معقدة يتطلبُ تصنيعها معرفة متقدمة في الإلكترونيات الطبية، وتصميم مستشعرات دقيقة، وتقنياتِ معالجةِ الإشارات الحيوية. ذلك أنَّ مراقبة العلامات الحيوية ليست مجرد عرض لأرقام على شاشة.
يُنتج القلب البشريّ إشارات بمستوى الميليفولت؛ وهي إشارات بالغة الضعف تتطلب استخلاصها وتنقيتها من التشويش الكهربائيّ المحيط. وفي السياقِ ذاته، يجب قياس ضغط الدم بدقة تصل إلى المليمتر الزئبقي، بينما يتطلب حساب مستوى أكسجين الدم تحليل التغيرات الضوئية الناتجة عن مرور الضوء عبر أنسجة الجسم.
ولإنجازِ هذه المهمة، يتعينُ على الجهازِ أن يستحضر منظومة معقدة من المستشعرات والدوائر الإلكترونية، وخوارزميات معالجة الإشارات، وبرمجيات فائقة الدقة، يجري تسييرها جميعا باتساق تام.
ولهذا السبب، ظلَّ تصنيع هذه الأجهزة لسنوات طويلة حكرا على عدد محدود من الشركات. فقد اكتفت دول كثيرة -بما فيها إيران- بدور المستهلك لهذه التكنولوجيا فحسب؛ فكانت المستشفيات تشتري أجهزة صُمِّمَت وطُوِّرَت معارفها التقنية على بُعد آلاف الكيلومترات.
وفي ظل هذه الظروف، كان امتلاك المعرفة الفنية لتصميم هذه الأجهزة يُعدّ بالنسبة للكثير من الدول حلماً بعيد المنال.
وفي مطلع التسعينيات للقرن الماضي، كانت مجموعة من المهندسين الإيرانيين الشباب تعمل في شركة تُعنى باستيراد هذه التجهيزات الطبية وتشغيلها؛ إذ كان عملهم يتركز على تركيب وصيانة الأجهزة التي كانت تصنّعها شركات أجنبية.
أُوفِدَ عددٌ من هؤلاء المهندسين، ومن بينهم المهندس عبد الرضا يعقوبزاده، إلى اليابان للاطلاع على التجهيزات المتقدمة. وفي المختبرات التي كانت تُصنَّع فيها أرقى أجهزة المراقبة عالمياً، تجلّت حقيقة ماثلة: وهي أنّ المعرفة التقنية لهذه الصناعة كادت لاتتوفّر للآخرين إلّا بالصعوبة، وأنّ الكثيرَ من الخبراء الأجانب لم يتصوروا قطّ أن بإمكان بلد كإيران تصميم مثل هذه الأجهزة يوما ما.
وهذه النظرة المتشككة تحولت إلى حافز قويّ للإيرانيين. فبعد العودة إلى أرض الوطن، انطلقت مرحلة الفحص المعمّق للأجهزة المتوفرة؛ حيث أُخضِعَت الكتيباتُ الفنية، ومخططات الدوائر الإلكترونية، والأدلة الهندسية التي كانت تُحتفظ في المكتبات لسنوات طويلة- للدراسة والتحليل من جديد. كما جرى تفكيكُ الأجهزة المختلفة، وفحص دوائرها بدقة، وقُضِيَت ساعات طوال في استيعاب منطق تصميم هذه التجهيزات.
أقامَ المهندس يعقوبزاده بمساعدة أصدقائه ومؤازرة من عائلته وبرأس مال متواضع ورشةً صغيرةً، وأسّس شركته الخاصة، وشرع في تصميم النموذج الأوليّ لجهاز مراقبة العلامات الحيوية. وبعدَ نحو سبعة أو ثمانية أشهر من الجهد المتواصل، اكتملَ أول نموذج أوليّ لجهاز مراقبة العلامات الحيوية.
في عام 1993اتخذ القرارُ في مجال عرض هذا الجهاز للمرة الأولى أمام مسؤولي قطاع التجهيزات الطبية في البلاد.
كانت تلك الزيارة بمثابة فاتحة عهد جديد لشركة “پويندگان سعادت”؛ فقد جرى طلبُ عدد من الأجهزة، ووصل المشروعُ -الذي كان قد استُهِلَّ وسط أجواء من التردد إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. وبعد سنوات، ظهَرت ثمارُ تلك الجهود فوق كلّ التوقعات.
لم تقتصر أجهزةُ المراقبةِ التي صمّمها المهندسون الإيرانيون في شركة “پويندگان سعادت” على تلبية احتياجات المستشفيات المحلية فحسب، بل شقّت طريقَها تدريجياً نحو الأسواق الدولية.
وفي غضون أقلَّ من عقدين، بلغت تصديرات هذه التقنية أكثرَ من خمسين دولةً حول العالم، امتداداً من أوروبا وصولاً إلى آسيا. وهكذا، فإنّ الأجهزةَ التي كان يُظنُّ يوماً أنَّ مَهْدَها لا يتجاوز المختبرات المتقدمة في أمريكا أو اليابان أو أوروبا، باتت اليوم تُصمَّمُ وتُصنَّعُ بأيادي إيرانية.
ولعلّ التغيير الأعمق يكمن في تبدّلِ النظرة؛ فبعد أن كان المهندسون الإيرانيون يشدّون الرّحالَ إلى المراكز الخارجية طلبا للتدريب، بات اليوم مهندسو الدول الأخرى يفدون إلى إيران للاطلاع على هذه التقنية والوقوف على أسرارِها.
إنّ قصةَ أجهزة مراقبة العلامات الحيوية في إيران ليست مجرد حكاية جهاز طبيّ فحسب. إنّها قصة تجاوز التبعيةِ، و بلوغِ الثقةِ بالنفس الصناعية، وتحوّل المشهد من مُستهلِك للتكنولوجيا إلي منتج لها.
إنّها قصة نبض بدأ من ورشة صغيرة متواضعة… ليتردّدَ صداه اليومَ بجوارِ أسرّةِ المرضى، في مستشفيات شتّى بقاعِ الأرض.