لا يمكن تقييم العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران فقط من خلال عدد الصواريخ التي أُطلقت، أو الأهداف التي أُصيبت، أو الطرف الذي تكبّد خسائر أكبر. ولعل الأهمية الحقيقية لهذه الحرب تكمن في التطورات التي بدأت تتبلور بعد انتهاء المواجهات، ولا سيما التغيّر في حسابات القوة.
فالحرب التي كان من المفترض أن تفرض ضغوطًا على إيران بالاعتماد على التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، أظهرت في نهاية المطاف واقعًا مختلفًا أمام دول المنطقة، مفاده أن إيران لا تزال قوة مؤثرة وحاسمة، وأن استبعادها أو إضعافها في المعادلات الإقليمية، خلافًا لتصورات البعض، أمر غير ممكن.
ولا يعني هذا التغيير أن الولايات المتحدة غادرت المنطقة أو أن إسرائيل فقدت قدراتها العسكرية. فالولايات المتحدة لا تزال القوة الأهم من خارج المنطقة الموجودة في غرب آسيا، كما تمتلك إسرائيل قدرات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية كبيرة.
لكن القضية تكمن في أمر آخر، وهو أن الفجوة بين القوة الأمريكية والقوى الإقليمية لم تعد بالاتساع الذي كان يُعتقد سابقًا. فعندما تدخل إيران حربًا مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتلقى ضربات، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بقدرتها على الرد ومواصلة المقاومة، فإن ذلك يبعث برسالة مهمة إلى سائر الأطراف:
"التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية".
ولعل هذا ما يفسر حديث بعض التقييمات في وسائل الإعلام الغربية عن تغير موازين القوى.
فقد نشرت مجلة «أتلانتيك» الأمريكية تقريرًا أشارت فيه إلى أن إيران باتت بعد هذه المواجهة في موقع مختلف، وتحدثت حتى عن «قوة مهيمنة» في المنطقة. ولا تكمن أهمية هذا الطرح في موقف مجلة «أتلانتيك» بحد ذاته، وإنما في التحول الذي طرأ على إدراك جزء من الأوساط الغربية لقدرات إيران.
فقد سادت لسنوات فرضية مفادها أن الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتزامنة ستجبر إيران في نهاية المطاف على التراجع أمام الولايات المتحدة، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا الحساب ليس بهذه البساطة.
وتزداد أهمية هذا الأمر عند النظر إلى سلوك دول المنطقة. فقد ربطت الدول العربية، على مدى عقود، جانبًا مهمًا من أمنها بعلاقاتها مع الولايات المتحدة. وكان الوجود العسكري الأمريكي، ومبيعات الأسلحة، والتعاون الأمني، والاعتقاد بالحصول على دعم واشنطن في الأزمات الكبرى، جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي.
لكن كل حرب تكشف حدود هذه المنظومة تدفع بالضرورة دول المنطقة إلى إعادة حساباتها. وهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالإجابة عن سؤال مفاده:
"إلى أي مدى يمكنها الاعتماد على التدخل الأمريكي المباشر في حال اندلاع أزمة كبرى، وإلى أي مدى ينبغي لها التفاهم مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، لإدارة الأزمات؟".
ومن هذا المنظور، ربما تكون النتيجة الأهم للحرب قد تبلورت، لا في طهران أو واشنطن، وإنما في العواصم العربية. فإذا خلصت دول المنطقة إلى أن إيران، حتى في ظل تعرضها لضغوط مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال قادرة على إلحاق تكاليف كبيرة والتأثير في أمن المنطقة، فمن الطبيعي أن تتجه سياساتها نحو بناء توازن جديد.
وهنا تتحول القوة العسكرية إلى قوة سياسية، أي عندما تؤدي قدرات دولة ما إلى تغيير سلوك الأطراف الأخرى. وفي مثل هذه الظروف، قد تسعى حتى الدول التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة إلى الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، بالتزامن مع فتح قنوات مستقلة مع طهران.
ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى مستقبل غرب آسيا من زاوية التنافس الإيراني الأمريكي وحده. فالقضية الأساسية تتمثل اليوم في تشكل نظام إقليمي تكون فيه الولايات المتحدة حاضرة، وتظل إسرائيل لاعبًا مهمًا، لكن إيران أيضًا لا يمكن استبعادها من المعادلة.
والاختلاف الكبير عن الماضي هو أنه لم يعد بالإمكان اتخاذ قرارات بشأن أمن المنطقة من دون أخذ قدرات إيران في الاعتبار. وإذا ترسخ هذا التغيير في حسابات دول المنطقة، فإن الحرب الأخيرة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل قد تشكل نقطة تحول في الانتقال من النظام القديم في غرب آسيا إلى نظام تؤدي فيه القوى الإقليمية دورًا أكبر بكثير في تحديد مستقبلها.
وفي نهاية المطاف، ربما لا يكون السؤال الأساسي هو مقدار ما حققته إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل من انتصار أو هزيمة في هذه الحرب.
فالسؤال الأهم هو:
"عندما تتخذ دول المنطقة بعد الحرب قراراتها بشأن الأمن والتحالفات والاقتصاد ومستقبلها، من سيكون صاحب التأثير الأكبر في حساباتها؟".
وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال قد تغيرت مقارنة بما كانت عليه من قبل، فعندها يمكن القول إن الحرب، حتى مع انتهاء وقف إطلاق النار وتوقف العمليات العسكرية، لم تنتهِ بعد؛ لأن المنافسة الحقيقية على تشكيل النظام الإقليمي الجديد قد بدأت للتو.