أشارت رئيسة فنزويلا المؤقتة "ديلسي رودريغيز"، إلى أن فنزويلا لها الحق في إقامة علاقات مع جميع الدول، بما فيها إيران والصين وروسيا، مؤكدًا أن فنزويلا ستواصل علاقاتها مع طهران.
تأتي تصريحات الرئيسة المؤقتة لفنزويلا في وقت سابق، أكد فيه إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، استمرار علاقات كاراكاس مع طهران، قائلاً:
"لطالما كانت علاقاتنا مع فنزويلا قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة، ونأمل أن تستمر هذه العلاقات".
وبعد أسابيع قليلة من الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، دخلت مواقف سلطات كاراكاس مرحلة أكثر وضوحًا وجدية؛ وفي هذا السياق، ينبغي أيضًا تقييم تأكيد رودريغيز، الرئيسة المؤقتى لفنزويلا، على استمرار علاقات بلادها مع إيران.
لا سيما وأن هذه التصريحات جاءت في ظلّ وضعٍ لا يزال فيه المناخ السياسي في فنزويلا متأثرًا بالتدخل العسكري المباشر لواشنطن ومحاولة الولايات المتحدة فرض إرادتها على السلطة في كاراكاس.
تتضاعف أهمية هذه التصريحات عند دراستها في سياق المعارضة الصريحة لمطالب دونالد ترامب وسياسة الضغط القصوى الأمريكية.
فالحكومة الأمريكية، التي اتخذت في السنوات السابقة من العقوبات والتهديدات والتدخل أدوات رئيسية لدبلوماسيتها تجاه فنزويلا، تحاول الآن إعادة رسم المسار السياسي المستقبلي لكاراكاس عبر القيام بعمل عسكري مباشر واختطاف الرئيس الشرعي للبلاد.
ومع ذلك، فإن إصرار الرئيسة المؤقتة لفنزويلا على استمرار العلاقات مع إيران يوجه رسالة واضحة لا لبس فيها إلى واشنطن:
"لا يمكن للضغوط والتهديدات، ولا حتى العمل العسكري، أن تجبر فنزويلا على التراجع".
في الواقع، أصبح استمرار التعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا الوقت رمزاً للتحدي الواعي للنظام الذي تفرضه الولايات المتحدة، بدلاً من كونه خيارا دبلوماسيا بحتا.
وبهذا الموقف، تُظهر كاراكاس أنها غير مستعدة للتضحية بسيادتها الوطنية استجابةً لمطالب البيت الأبيض، وتعتبر اتخاذ القرارات بشأن العلاقات الخارجية حقاً لا يمكن التنازل عنه. وقد اكتسب هذا النهج، لا سيما بعد اختطاف نيكولاس مادورو، دلالةً تتجاوز الماضي، وأصبح جزءًا من خطاب المقاومة السياسية للأحادية الأمريكية.
على نطاق أوسع، تتسم علاقات فنزويلا مع إيران بأبعاد سياسية هامة. فقد واجه البلدان عقوبات واسعة النطاق، ضغوطا دبلوماسية، ومحاولات لتغيير بنية السلطة من الخارج لسنوات. وقد مهدت هذه التجربة المشتركة الطريق لتقارب سياسي بين طهران وكاراكاس؛
تقارب يسعى إلى تقديم سردية جديدة للنظام الدولي؛ نظام لا تضطر فيه الدول إلى إرضاء واشنطن من أجل الشرعية والبقاء، ويمكنها تشكيل تحالفات مستقلة خاصة بها قائمة على المصالح المشتركة.
من هذا المنظور، يُعد التركيز على استمرار العلاقات مع إيران بمثابة إعادة تعريف للسيادة الوطنية؛ سيادة تقاوم التدخل الأجنبي، وتبني سياستها الخارجية على الاستقلال والتعددية.
على الصعيد الاقتصادي، تُعدّ العلاقة بين طهران وكاراكاس استجابة عملية للواقع الاقتصادي الراهن. إذ يواجه كلا البلدين قيودًا شديدةً على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية، التقنيات المتقدمة، وسلاسل التوريد الدولية.
ولذلك، يُتيح التعاون في مجالاتٍ مثل الطاقة، النقل، الزراعة، وتبادل السلع، لفنزويلا تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، وإيجاد سُبل بديلةٍ لتلبية احتياجاتها.
بعيدا عن الاقتصاد والسياسة الثنائية، يحمل التركيز على استمرار العلاقات مع إيران رسالةً أوسع للمجتمع الدولي. فباختيارها مسارا مستقلا، تُعلن كاراكاس أن السياسة الخارجية لا يُمكن أن تُملى عليها التهديدات، أو العقوبات، أو العمل العسكري.
ويتماشى هذا الموقف مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ وهي مبادئ تجاهلتها الحكومة الأمريكية مرارًا وتكرارا في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بفنزويلا.
ومن خلال إصرارها على حقها في اختيار شركائها الدوليين، تُحاول فنزويلا إثبات أنه لا يزال من الممكن مقاومة الأحادية.
وأخيرا، ينبغي اعتبار تأكيد الرئيسة المؤقتة لفنزويلا على استمرار العلاقات مع إيران قرارا مشروعا، واعيا وقائما على المصالح الوطنية؛ وهو قرار ليس مجرد استجابة مؤقتة للضغوط الأمريكية، بل هو جزء من استراتيجية كاراكاس الكبرى للحفاظ على الاستقلال السياسي، إعادة بناء القدرات الاقتصادية، وإعادة تعريف مكانتها في النظام العالمي.