وشنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات على مناطق متفرقة شرقي قطاع غزة، رافقها قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف، في خروقات جديدة للاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وأفادت مصادر محلية بأن طائرات الاحتلال استهدفت بعدة غارات مناطق مختلفة من حي التفاح شرقي مدينة غزة، فيما أطلقت المروحيات الإسرائيلية نيرانها باتجاه المناطق الشرقية من مخيم جباليا شمالي القطاع.
كما شنت طائرات الاحتلال عدة غارات على شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع، في حين أطلقت مروحيات الاحتلال وآليات الجيش نيرانها العشوائية تجاه المناطق الشرقية لمدينة خان يونس وشمالي مدينة رفح.
وفي هذا السياق، أدان المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، في بيان صدر الجمعة، الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، مطالباً الوسطاء بممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف هذه الخروقات والالتزام بما تم الاتفاق عليه.
وتستمر هذه الانتهاكات رغم إعلان الإدارة الأمريكية بدء المرحلة الثانية من الاتفاق. وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أعلن، الخميس، أن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، ما أسفر عن استشهاد وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً منذ بدء سريان الاتفاق.
ويُذكر أن هذا الاتفاق أنهى حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل في أكتوبر 2023 واستمرت لأكثر من عامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 71 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 171 ألفاً، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة، فيما قدرت الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
وفي تطور ميداني خطير، كشفت تحقيقات مدعومة بصور أقمار صناعية عن قيام قوات الاحتلال بتحريك كتل خرسانية صفراء تُستخدم لترسيم ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” إلى داخل قطاع غزة في عدة مواقع.
ووفق مراجعة أجراها فريق تقصي الحقائق في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فقد وُضعت هذه الكتل في ثلاث مناطق على الأقل، قبل أن يُعاد نقلها لاحقاً إلى عمق أكبر داخل القطاع، ما جعل الخط الذي يفترض أن يحدد حدود انتشار القوات الإسرائيلية بعد اتفاق وقف إطلاق النار متغيراً على الأرض، الأمر الذي خلق حالة من الالتباس والخطر بين المدنيين الفلسطينيين.
ويخالف هذا التحرك روح الاتفاق المبرم بوساطة الولايات المتحدة مع حركة حماس، والذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خط محدد مرسوم على الخرائط العسكرية. وكان وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أعلن في أكتوبر الماضي أن تجاوز “الخط الأصفر” سيُقابل بإطلاق النار.
ومنذ ذلك التحذير، سُجلت عشرات الحوادث الدامية قرب هذا الخط المتغير، بحسب تحليلات منشورات وتصريحات رسمية للجيش الإسرائيلي. وتشير البيانات إلى أن جيش الاحتلال نقل الكتل الصفراء في 16 موقعاً على الأقل في مناطق بيت لاهيا وجباليا وحي التفاح.
وفي حي التفاح وحده، جرى تحريك ما لا يقل عن سبع كتل بين أواخر نوفمبر وأواخر ديسمبر، بمتوسط إزاحة بلغ نحو 295 متراً باتجاه عمق القطاع. كما رصد فريق بي بي سي 205 علامات ميدانية أخرى، وُضع أكثر من نصفها في مناطق أعمق بكثير من الخط المحدد على الخرائط.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية حتى 11 يناير أن أجزاء واسعة من الخط لا تزال غير محددة بعلامات ميدانية، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء سريان وقف إطلاق النار، كما غابت الكتل عن مسافة تقارب عشرة كيلومترات، ما ترك السكان في حالة ارتباك بشأن حدود ما يسميه جيش الاحتلال “منطقة قتال خطرة”.
ونقل التحقيق شهادة شاب من محيط خان يونس، أفاد بأن تحريك الكتل بشكل مفاجئ وضعه داخل منطقة خطرة دون أي إنذار مسبق، مؤكداً أن إطلاق النار وتحركات الجنود والطائرات المسيّرة باتت تحاصر تفاصيل حياتهم اليومية.
ويرى خبراء أن نقل الكتل الخرسانية يشكل أداة غير معلنة لإعادة رسم السيطرة الميدانية دون تعديل رسمي للخرائط، مؤكدين أن نتائج هذا التغيير انعكست بشكل مباشر على المدنيين، حيث سُجلت 69 واقعة إطلاق نار على أشخاص بزعم تجاوزهم الخط منذ أكتوبر.
وفي حوادث موثقة، استشهد أطفال ومدنيون قرب الكتل الصفراء أو داخل مناطق يفترض أنها آمنة وفق الخرائط، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود آليات عسكرية إسرائيلية وأعمال هدم خارج الخط المتفق عليه، أعقبها في بعض الحالات نقل العلامات إلى مواقع جديدة وتوسيع نطاق الدمار.
وبحسب خبراء، فإن هذه الممارسات قد تفضي عملياً إلى إنشاء “حزام معقم” داخل قطاع غزة، ما يعني أن الواقع الميداني بات يتحدد بمكان الكتل الخرسانية لا بنصوص اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يثير مخاوف قانونية وحقوقية بشأن حماية المدنيين ووضوح التزامات قوة الاحتلال.
وفي الضفة الغربية، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات الاقتحام في مناطق متفرقة، ترافقها عمليات دهم واعتقال وتنكيل بالمواطنين.
ففي مدينة قلقيلية، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب معاذ نوفل وصادرت مركبته خلال اقتحام حي النقار. كما اقتحمت بلدتي ميثلون ودير أبو ضعيف شرق جنين، وداهمت عدداً من منازل المواطنين واعتقلت أحد الشبان.
وتزامن ذلك مع اقتحام مشروع بيت قاد في جنين، حيث جرى تفتيش منازل أقارب المطارد فرج الصانوري. كما اقتحمت قوات الاحتلال قرية أبو نجيم، ومنطقة برك سليمان، وقرية الخضر في محافظة بيت لحم، وتمركزت في حارة “أبو صرة” القريبة من بوابة الخضر، إضافة إلى حارة “الصيفي”.
وفي محافظة الخليل، نصبت قوات الاحتلال صباح اليوم حاجزاً عسكرياً أمام سوق الحلال المركزي في بلدة الظاهرية جنوب المدينة، وفتشت المركبات. كما اعتقلت الشاب عز ناصر عصافرة من منزله في بلدة بيت كاحل، والأسير المحرر مجاهد محمد مطلق أبو جحيشة من بلدة إذنا، علماً أنه أفرج عنه قبل أقل من أسبوع من سجون الاحتلال.
كما داهمت قوات الاحتلال منازل المواطنين في منطقة العديسة، خلال اقتحامها المتواصل لبلدة سعير شمال الخليل.