البث المباشر

اقتصاد المقاومة في ضوء الفقه الشيعي

السبت 30 أغسطس 2025 - 17:48 بتوقيت طهران
اقتصاد المقاومة في ضوء الفقه الشيعي

كانت تُعرّف الوجوهات الشرعية أساسا في سياق مساعدة المحتاجين المحليين، وخاصةً الشيعة في فيما يخص التراث الفقهي الشيعي الشائع. وهذا النهج، وإن كان قائمًا على مصادر فقهية موثوقة، إلا أنه كان يقللها في تفاعل محدود، غير سياسي، وغير أممي على المستوى العملي.

كتب الإمام الخميني (ره) في 28 أغسطس/آب 1968، ردًا على استفتاءٍ أجرته مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين حول جواز إنفاق الوجوهات الشرعية في القتال مع إسرائيل:

"بسم الله الرحمن الرحيم

سبق أن حذرتُ من أن إسرائيل الغاصبة، بأهدافها، تُشكل خطرًا كبيرًا على الإسلام والبلاد الإسلامية، ويخشى إذا أعطى المسلمون الصهاينة مهلة فإن الفرصة ستضيع ولن يكون من الممكن إيقافهم. ولما كان الخطر مُوجهًا نحو أساس الإسلام، فمن الضروري للدول الإسلامية -خصوصًا- وللمسلمين الآخرين -عامةً- أن يدفعوا هذا الفساد بكل وسيلة ممكنة، وأن لا يقصروا في مساعدة المدافعين عنه.

ويجوز الإنفاق من أموال الزكوات والصدقات الأخرى في هذا الأمر الحيوي الهام. ونسأل الله تعالى أن يهيئ للمسلمين وسيلة للإنذار والتنوير، وأن يدفع شر أعداء الإسلام عن ديار المسلمين. والسلام على من اتبع الهدى.. "3 جمادى الثانية 1388 هـ، روح الله الموسوي الخميني (صحيفة الإمام، المجلد 2، ص 194).

عبّرت وجهة نظر كهذه عن منظور جديد للعبادات المالية في الفقه الشيعي؛ نظرة ربطتها من المجال الفردي بساحة المقاومة الإسلامية. وهذه الفتوى، إلى جانب كونها إجابة على سؤال فقهي، أحدثت تحولاً في تفاعل الفقه الشيعي مع القضايا الكبرى للأمة الإسلامية. وفي ظلّ انحصار العديد من العبادات في المجال الفردي، أظهر الإمام الخميني الراحل، من خلال هذا التفويض، أن الفقه يمكن أن يصبح أداةً للتفاعل العالمي.

 

1. الانتقال من العبادة الفردية إلى المسؤولية الاجتماعية

تم في التراث الفقهي الشيعي الشائع، تحديد الوجوهات الشرعية بشكل رئيسي في سياق مساعدة المحتاجين المحليين، وخاصة الشيعة. ومع أن هذا النهج كان قائمًا على مصادر فقهية موثوقة، إلا أنه عمليًا اختزل الأموال الشرعية إلى تفاعل محدود، غير سياسي، وغير أممي. وبهذه الفتوى، أخرج الإمام الخميني الراحل الفقه من عزلته، وأدخله في ساحة العمل النضالي في بشأن الأمة الإسلامية والعلاقات الدولية.

ومن هذا المنظور، لم تعد العبادات المالية مجرد حل لتلبية احتياجات دولة شيعية كإيران، بل أصبحت، بالإضافة إلى ذلك، أداة لمواجهة نظام الهيمنة في جميع أنحاء الدول الإسلامية، بل والعالم أجمع. وتكتسب الصدقة والزكاة، عند توظيفهما في سبيل مكافحة الاحتلال والاستعمار، معنى جديدًا. وهذا التطور يرفع مسؤولية المؤمنين من مستوى الفرد إلى مستوى الأمة الإسلامية، بل والعالم أجمع.


 

2. الوجوهات الشرعية؛ أداة لبناء الأمة

أظهر الإمام الخميني (ره) من خلال إضفاء الشرعية على استخدام الوجوهات لدعم المقاتلين الفلسطينيين، أن الفقه الشيعي قادر على خدمة بناء الأمة. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ فلسطين مشكلةً للعرب فحسب، بل مشكلةً للأمة الإسلامية جمعاء. وبتبنيها هذا النهج، وجدت الحوزات العلمية أيضًا رسالةً عالمية:

"إعداد فقهاء يمكنهم معالجة قضايا الأمة الإسلامية على المستوى الدولي بصفة أحد إنجازات هذه الحركة".

ويمكن القول بمساعدة الأدبيات السياسية الشائعة اليوم إنه على عكس الدبلوماسية الرسمية للحكومات، فإن إنفاق الوجوهات لدعم فلسطين قد خلق نوعًا من الدبلوماسية الشعبية والدينية؛ دبلوماسيةٌ تشكّلت من قلب الحوزات العلمية وشبكة المُقلّدين، وساهمت في تعزيز جبهة المقاومة في العالم الإسلامي.


 

3. الوجوهات الشرعية؛ أداة للتربية الجهادية الاجتماعية

إن إنفاق الوجوهات الشرعية على طريق المقاومة، بالإضافة إلى كونه إجراءً ماليًا، هو أداةٌ تعليميةٌ لبناء مجتمع واع ومسؤول، يسعى إلى تحقيق العدالة، ومواجهة للظلم. عندما تُنفق الصدقات والزكوات على طريق المجاهدين الفلسطينيين، يُربى المجتمع تدريجيًا على مُثُل عليا ضد الظلم والاستكبار. وبالإضافة إلى الحد من الفقر، يساعد هذا الأمر يساعد في تعزيز الروح الجهادية وتقبل المسؤولية في المجتمع. وفي هذه العملية، تُصبح الوجوهات الشرعية أداةً للتربية الاجتماعية؛ تربيةٌ تدعو الأفراد إلى التفاعل النشط، التعاطف مع المظلومين ومواجهة هياكل الهيمنة العالمية.


4. استمرار نهج الإمام الخميني الراحل في ظل قيادة آية الله خامنئي

لقد استمر هذا النهج الحضاري تجاه الوجوهات الشرعية بقوة في فترة قيادة قائد الثورة الإسلامية الإمام خامنئي- حفظه الله -.

ففي مناسباتٍ عديدة، لقد اعتبر سماحته دعم القضية الفلسطينية ليس واجبًا إنسانيًا فحسب، بل واجبًا دينيًا أيضًا. وفي لقاءاتٍ عديدة مع الشعب الإيراني وفصائل المقاومة الفلسطينية، أكد مرارًا وتكرارًا على ضرورة الدعم الشامل للمقاتلين الفلسطينيين، وأجازت فتاواه استخدام هذه الوجوهات الشرعية بهذا الشأن.

لقد ارتقى سماحة قائد الثورة الإسلامية بتأكيده على الصلة بين الفقه والمقاومة، بهذا التوجه من مستوى الفتوى إلى مستوى الاستراتيجية. ولم يكتف بتجويز استخدام الوجوهات للمقاومة فحسب، بل انتبه سماحته أيضاً إلى  تحذيره المتكرر من التعامل مع الكيان الصهيوني.

وهذا يعني قطع تدفق والشريان الحيوي لهذا الكيان الغاصب ومنع العالم الإسلامي من وصول النفط والطاقة والبضائع وما إلى ذلك إلى هذا الكيان البغيض.

إذن إن الاهتمام بهاتين الممارستين الإيجابية والسلبية في اقتصاد المقاومة يمكن أن يمهد الطريق لتحول كبير في إزالة هذه الغدة السرطانية في جسد الأمة الإسلامية.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة