وهذه الحقيقة دليل على أن النصر النهائي سيشمل أولئك الذين يجاهدون في سبيل الله ويؤمنون بوعد العون الإلهي.
إن الجهاد ضد اعتداءات الأعداء يعد من الأركان الأساسية للدين الإسلامي الحنيف ومن الواجبات الثابتة على كل مسلم يقف بثبات في الدفاع عن حدوده، أرضه، وعرضه ضد أي عدوان. ومع أن الدفاع عن الوطن والأرض أمر فطري وعقلاني، ويعتبر أهل أي أرض أنفسهم ملزمين بالدفاع عنها عقلاً، إلا أن الجهاد في دين الإسلام يأخذ طابعا ونكهة مقدسة وروحية.
إن المجاهد في سبيل الله لا يقاتل من أجل حماية الأرض فحسب، بل من أجل إعلاء كلمة الحق ودفع الظلم والطغيان. وعندما يستشهد في هذا الطريق فإنه ينال مكانة عالية جداً ومنزلة عالية عند الله تعالى، منزلة لا تقاس بأي مقياس مادي.
وهناك فرق جوهري في النهج الذي ينظر به المؤمنون والكفار إلى الحرب والجهاد.
يرى المؤمن أن الحرب ليست مجرد صراع دموي من أجل البقاء أو السلطة، بل هي اختبار إلهي وفرصة لإثبات الإيمان والتضحية حيث يضحي بحياته للدفاع عن الحقيقة والعدالة، ويخطو إلى ساحة المعركة أملا للحصول على رضا الله سبحانه وتعالى والوصول إلى الجنة.
وفي المقابل، فإن الكافر يحلل الحرب بناء على مصالحه المادية والدنيوية فقط، وهدفه في الحرب هو الحصول على الغنائم، توسيع الأرض، أو الانتقام. إنه يخاف من الموت ولا يؤمن بالحياة بعد الموت، لذلك يفعل كل ما بوسعه لإنقاذ حياته.
إن هذا الاختلاف في المواقف بين المؤمنين والكفار له تأثير كبير على طريقة قتال كلا المجموعتين، دوافعهما، وقدرتهما على الصمود والمقاومة.
ومن خلال هذا المنظور، واستعراض إنجازات المسلمين في المعركة ضد الأعداء من الكفار والمشركين، ندرك حقيقة أن النصر النهائي كان دائماً لمن كان لديه الدافع الإلهي والإيمان الأقوى. ورغم قلة مواردهم وأفرادهم، فقد انتصر المسلمون في كثير من المعارك على أعدائهم الذين كانوا أكثر منهم في العتاد والأفراد.
ولم تكن هذه الانتصارات نتيجة لتفوق التكتيكات العسكرية فحسب، بل كانت متجذرة في الإيمان الراسخ والتضحية والتفاني من جانب المجاهدين المسلمين. وعلى النقيض من ذلك، فإن الكفار والمشركين، الذين اعتمدوا على القوة المادية والخوف من الموت، هُزموا في نهاية المطاف بفضل الإرادة الإلهية وإيمان المسلمين. وهذه الحقيقة دليل على أن النصر النهائي من نصيب أولئك الذين يجاهدون في سبيل الله ويؤمنون بوعد العون الإلهي.
قد أشار الله تعالى في آيات القرآن الكريم أيضاً إلى هذا الاختلاف في وجهات النظر، والانتصارات الغيبية، ووعد بنصرة المؤمنين على أعدائهم. وعلى سبيل المثال، يقول سبحانه وتعالى في الآية 7 من سورة محمد (ص):
«إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ»
وهذه الآية صريحة في أن يد النصر الإلهي على المؤمنين الذين ينصرون دين الله. وعلى سبيل المثال، في غزوة بدر كان المسلمون أقل عدداً بكثير من المشركين ولم يكن لديهم المعدات الكافية، ولكن الله سارع إلى نجدتهم بإرسال الملائكة وأعطى المسلمين النصر. كما يقول:
«وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (آل عمران: 123).
وبالإضافة إلى ذلك، هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تتحدث عن مساعدة الله الغيبية. وتؤكد هذه الآيات على ضرورة وجود منظور ميتافيزيقي في المعركة ضد الأعداء.
ثم إن المؤمنين إذا هزموا في الجهاد ضد الأعداء فإن الله يعتبر هذه الهزيمة درساً لهم حتى لا يستكبروا على معدات قومهم وإمكانياتهم ويتركوا الأمر لله ويعلموا أن النصر والهزيمة امتحان إلهي. وعلى الرغم من أن النصر هو علامة على رضا الله، إلا أن الفشل يمكن أن يحمل أيضًا دروسا قيمة للمؤمنين.
كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم عن غزوة أحد:
«وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (آل عمران: 152).
وهذه الآية تبين أن هزيمة المسلمين في غزوة أحد كانت بسبب عدم امتثال بعضهم أمر الله ووهم يطلبون الدنيا. فأنزل الله بهم هذه الهزيمة ليعلموا أن النصر لا يكون إلا بطاعة الله ورسوله، وأن الكبر والغرور يحرمهم من النصر الإلهي.
وفي الواقع، يمكن أن يكون الهزيمة أيضًا فرصة للعودة إلى الله وإصلاح الذات. ولهذا السبب غفر الله للمسلمين بعد هذه الهزيمة، وأظهر لهم من فضله، لأنه علم أنهم ندموا على خطئهم، وسيحاولون إصلاحه.
النتيجة هي أن المؤمن لا يخاف من نضال العدو فحسب، بل يرى فيه أيضًا فرصة لتحقيق واحدة من أعظم المكافآت الإلهية والتقرب من الذات المقدس للأحدية. فهو يعتبر بفهم عميق لمفاهيم الجهاد والاستشهاد، أن الموت ليس نهاية، بل هو بداية حياة أبدية وأعلى في نظرة الله.
إن المؤمن يرى، عبر اقتداءه بالأئمة المعصومين (ع)، وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام) أن الموت أفضل من الخضوع للذل والاستسلام للعدو. لقد أظهر الإمام الحسين (ع)، من خلال نهضته في عاشوراء والتضحية بحياته وماله في سبيل قضية الحق، أن كرامة الإنسان وشرفه فوق كل شيء، وأنه لا ينبغي لأحد أن يستسلم للظلم والطغيان. وفي نظره (ع) فإن الجهاد في سبيل الله ليس واجباً دينياً فحسب، بل هو أيضاً علامة شرف وإنسانية.
لذلك فإن المؤمن المجاهد يذهب إلى ساحة المعركة بقلب مليء بالإيمان وحب الله، وينتظر العون والثواب الإلهي العظيم لنفسه، لأنه يعلم أن كل قطرة دم تسفك في هذا النهج ستكون شاهدة على تضحيته في سبيل الحق والعدالة، وسترفعه إلى مستوى أعلى عند الله جل وعلا.