البث المباشر

«اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» / الواقع الاقتصادي المتردي لدول جنوب الخليج الفارسي

السبت 24 أكتوبر 2026 - 13:19 بتوقيت طهران

في حلقتنا لهذا اليوم، نسلط الضوء على الواقع الاقتصادي المتردي لدول جنوب الخليج الفارسي؛ نقرأ لغة الأرقام في تقارير صندوق النقد الدولي، ونفكك تحديات الطاقة وصادرات الغاز والسياحة، ونغوص في الأسباب الجذورية الكامنة خلف هذا المأزق البنيوي.

أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.

حين تتداخل لغة الأرقام مع حسابات السياسة، وتنكشف عورات الاقتصادات الريعية على وقع التوترات والخيارات العبثية، تتسارع الأسئلة حول مآلات الأمور في جوارنا الإقليمي. فبينما تُروج أدبيات الإعلام الغربي والخليجي لصورة «الاستقرار المطلق»، تأتي التقارير الدولية ووقائع الميدان لترسم مشهداً مختلفاً تماماً؛ عنوانه البارز: التباطؤ، واستنزاف الموارد، وتصدع خطط التنويع تحت وطأة فاتورة الحروب والسياسات الخاطئة.

في حلقتنا لهذا اليوم، نسلط الضوء على الواقع الاقتصادي المتردي لدول جنوب الخليج الفارسي؛ نقرأ لغة الأرقام في تقارير صندوق النقد الدولي، ونفكك تحديات الطاقة وصادرات الغاز والسياحة، ونغوص في الأسباب الجذورية الكامنة خلف هذا المأزق البنيوي. والأهم من ذلك كله... نتلمس طوق النجاة والبدائل الحقيقية المتاحة عبر بوابات التكامل الإقليمي، والشراكة العادلة مع الجوار.

لمناقشة هذا الموضوع، أجرينا مقابلة مع الأستاذ عبدالعزيز أبو طالب، الخبير في الشؤون الاستراتيجية من اليمن، وندعوكم للبقاء معنا.

قبل الخوض في تفاصيل هذا الحوار، نتوقف أولاً مع جولة سريعة نستعرض فيها أبرز عناوين الأسبوع الماضي:

 

شركة طيران عمانية تستأنف رحلاتها إلى طهران

هبطت، الأحد الماضي، ثاني شركة طيران أجنبية في مطار الإمام الخميني(رض) الدولي بطهران، بالرغم من تهديد وزير الخزانة الأمريكي بفرض عقوبات مالية على شركات المطارات وشركات الطيران المتعاونة مع إيران. وهبطت رحلة شركة طيران «سلام إير» القادمة من مسقط إلى طهران، بعد توقف دام عدة أشهر. وستُسيّر هذه الرحلات مرتين أسبوعيًا. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت حظراً جوياً على إيران قبل شهر.

ووفقًا للخطة، ستُسيّر «سلام إير» رحلاتها إلى مطار الإمام الخميني(رض) يومي الأحد والجمعة من كل أسبوع، على خط طهران - مسقط وبالعكس.

++++

صناعة الصلب الإيرانية تحقق 90% من الاكتفاء الذاتي

أعلن عضو رابطة منتجي الصلب في إيران، أن صناعة الصلب الإيرانية حققت 90% من الاكتفاء الذاتي رغم العقوبات. وقال عليرضا إبراهيمي، خلال اجتماع استعراض الأوضاع الأخيرة لإنتاج الصلب في البلاد: قد توسعت الصناعات الجانبية المحيطة بصناعة إنتاج الصلب إلى درجة أصبح معها صنع أعقد القطع والمعدات متاحاً محلياً، مضيفاً: إن نحو 5% فقط من القطع الخاصة المرتبطة بأنظمة التحكم والأجهزة الدقيقة هي التي تعتمد على الخارج؛ وبالطبع فإن هذه المعدات تتمتع بعمر طويل ولا توجد حاجة يومية لاستبدالها. وتابع: لقد استطعنا عبر استخدام المسارات البديلة والاستفادة من الغاز تعويض هذه النواقص وإحداث التوازن كي يتم الحفاظ على إنتاج البلاد، مؤكداً إن حيوية صناعة الصلب مستمرة رغم الحرب والعقوبات، وتدفقها الاقتصادي مستقر.

+++

صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد الإيراني

توقّع صندوق النقد الدولي تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي في إيران العام المقبل، مع وصول النمو الاقتصادي إلى 6/3 في المئة. وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، سيخرج الاقتصاد الإيراني من حالة الركود في عام 2027، ليسجل نموًا إيجابيًا خلال العام نفسه. وتوقع الصندوق أن يبلغ معدل التضخم في إيران 6/78% خلال العام الحالي، مرجحًا تباطؤ وتيرة التضخم في عام 2027 وانخفاض معدله إلى 42%. وبحسب التقرير، يتوقع صندوق النقد الدولي تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي في إيران خلال عام المقبل، رغم الضغوط والعقوبات الجائرة التي تفرضها الولايات المتحدة على البلاد.

 

فاصل

(المحور الأول)

تُروج الدوائر الإعلامية الغربية والخليجية طويلاً لصورة نمو مطلق وواحات استقرار مالي لا تهزّها الرياح. غير أن قراءة متأنية للغة الأرقام والتقارير الدولية الصادرة مؤخراً تكشف عن واقع مغاير تماماً؛ فدول مجلس التعاون في الخليج الفارسي تواجه اليوم مخاضاً اقتصادياً عسيراً، تتداخل فيه تداعيات السياسات النفطية، وفاتورة التوترات الإقليمية، وانعكاسات المغامرات العسكرية السابقة، لتلقي بظلال ثقيلة على مستقبل هذه الاقتصادات ومعدلات نموها.

وتأتي تقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة لتشكل جرس إنذار حقيقي؛ حيث تشير التوقعات إلى تراجع واضح وملموس في معدلات النمو الاقتصادي لدول جنوب الخليج الفارسي مقارنة بسنوات الطفرة السابقة. ويعود هذا التباطؤ إلى عوامل هيكلية عدة، أبرزها التزام دول «أوبك+» بسياسات تخفيض إنتاج النفط لدعم الأسعار، مما أدى إلى انحسار العائدات النفطية التي تشكل العصب الأساسي للموازنات العامة. يضاف إلى ذلك، السياسات النقدية المشددة وارتفاع أسعار الفائدة ارتباطاً بالسياسة النقدية الأمريكية، والتي زادت من تكلفة الاقتراض وكبحت قطاع الأعمال والاستثمار المحلي، ناهيك عن فاتورة عدم الاستقرار الإقليمي التي تثقل كاهل الإنفاق العسكري والأمني.

وفي قطاع الطاقة الحيوي، يعيش قطاع تصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر مرحلة دقيقة من اختبار القدرة التنافسية. فالدوحة، التي طالما راهنت على عائدات الغاز لتكريس نفوذها الاقتصادي والسياسي، تواجه اليوم منافسة شرسة وعالمية من قوى كبرى مثل أميركا وأستراليا. وعلى الرغم من مشاريع التوسعة الضخمة في حقل الشمال، إلا أن الارتفاع الهائل في تكاليف الإنتاج، وتحديات الشحن والنقل البحري في ظل أزمات الملاحة الإقليمية والدولية، تفرض ضغوطاً متزايدة على هوامش الربح وتهدد استقرار عوائد العقود طويلة الأجل في ظل أسواق عالمية متقلبة.

أمّا في الإمارات العربية المتحدة، وبالتحديد في دبي وأبوظبي اللتين طالما شكلتا قاطرة القطاع السياحي والخدمي غير النفطي، فتؤكد المؤشرات الميدانية وجود تباطؤ ملحوظ. فقد رصدت التقارير تراجعاً طفيفاً في معدلات الإشغال الفندقي وحركة الطيران والسياحة الوافدة في بعض المواسم، بفعل تضخم تكاليف المعيشة عالمياً ومحلياً، وتأثر القدرة الشرائية لبعض الأسواق المصدرة للسياح. كما أن انعكاسات التوترات الأمنية في المنطقة تلعب دوراً بارزاً في إعادة تفكير المستثمرين والسياح في خياراتهم، بحثاً عن وجهات أكثر استقراراً وأمناً.

وعند إلقاء نظرة شاملة على واقع النمو في عواصم القرار الأربع، يتضح أن القاسم المشترك بينها هو «التباطؤ»؛ ولكن بتفاصيل مختلفة:

- السعودية: تواجه تحديات تمويلية ضخمة لتنفيذ مشاريع «رؤية 2030» الطموحة وسط عجز مالي متوقع في الموازنة نتيجة تراجع عائدات النفط، مما دفع الرياض نحو زيادة الاقتراض الخارجي.

- الإمارات: تعتمد على القطاع العقاري والمالي، وهي عرضة لمخاطر تضخم الأسعار والفقاعات العقارية، إلى جانب تصاعد المنافسة الإقليمية.

- قطر: تسجل نمواً حذراً ومحكوماً بأداء قطاع الطاقة، مع استمرار الضغوط لضبط الإنفاق الحكومي بعد مرحلة المشاريع المونديالية الكبرى.

- البحرين: تبقى الأضعف والأكثر هشاشة اقتصادياً، إذ تعاني من محدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع قياسي في نسب الدين العام إلى الناتج المحلي، واعتماد شبه كلي على الدعم الخليجي الخارجي لسد العجز.

وفي هذا السياق، أجرى زملائي حوارًا مع الأستاذ عبدالعزيز أبو طالب، الخبير الاستراتيجي الاقتصادي من اليمن، وسألوه: بالنظر إلى الوضع الاقتصادي في دول المنطقة من منظور المؤشرات الاقتصادية، كيف ترى مستقبل هذه الدول في المدى القريب والبعيد؟ فأجاب:

بسم الله الرحمن الرحيم، تحية لكم ولمستمعين الكرام، وشكرا لكم على الاستضافة. طبعا، المؤشرات المتاحة حتى نهاية عام 2026 تشير إلى المخاوف وتنبؤات اقتصادية سلبية. قد يلحظ تحصن في قيمة العوائد النفطية لدول الخليج.

ذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، لكن هذا هش في معظم هذه الدول. لأنه أولا وإن كان مدفوعا بزيادة إنتاج النفط والغاز أو الإنفاق الاستثماري ضمن ما يسميه بعض الدول برؤاها التنموية. لكن هذا التحسن يظل مشروطا بعاملين.

الأول استقرار أسعار وأسواق الطاقة وهذا غير مضمون. الثاني غياب صدمة جيو سياسية كبرى ولكن هذه موجودة بسبب إغلاق مضيق هرمز. أي أن النمو القريب في المدى القريب لن يكون نموا هيكليا بل هو أقرب إلى استقرار ما يسمى فوق الحافة أو قبل السقوط.

في المدى البعيد المستقبل يعتمد كليا على قدرة هذه الدول الريعية على كسر البنية الريعية لها. لأن الأداء الاقتصادي حسب مؤشرات أمم المتحدة طويل الأمد الاقتصادات المعتمدة على السلع سيتوقف على قدرتها على تنمية صناعتها كما تفعل إيران. التي هي ليست معتمدة بشكل كلي على النفط والغاز وإنما لديها تنويع في الصناعة والزراعة والتجارة البنية.

هنا السؤال أو التحدي الوجودي لهذه الدول هل تستطيع هذه الدول أن تحافظ على الاستدامة دون عوائد النفط؟ هل تستطيع أن تخلق اقتصادات حقيقية تنتج وتصدر وتوظف بدل من الاقتصادات الريعية التي تعيش على الريع وعلى استيراد كل شيء؟

وهذا ما حصل في هذه الأزمة التي تعيشها هذه الدول عندما أغلق المضيق لأنه يعتبر شريان حياة وفي نفس الوقت شريان موت. هذه الدول باعتقادي هي تعيش أزمة حقيقية تكشف عن عجز في تخطيطها الاستراتيجي للأمن الاقتصادي المستدام.

هي تتجاهل واقع التبعية التي تعيشها هذه الدول باعتبارها أطراف المركز الغربي وارتهانها للمزاج السياسي الغربي ومغامراته العدوانية في المنطقة وهذا ما نعيشه حاليا.

 

فاصل و نواصل

 

(المحور الثاني)

إذا أردنا تفكيك الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع والتباطؤ المستشري في اقتصادات جنوب الخليج الفارسي، فإن قراءة المشهد تتجاوز الأرقام البحتة لتكشف عن حقيقة جوهرية؛ فـالوضع في جوهره هو سياسي بامتياز، قبل أن يكون اقتصادياً. فسياسات عسكرة الإقليم، والتدخلات الخارجية، والانخراط في حروب استنزاف ومغامرات عبثية (مثل الحرب على اليمن)، إلى جانب رهانات التحالف مع قوى الهيمنة الغربية، كلها أفضت إلى استنزاف هائل للموارد والثروات التي كان أحرى بها أن تُصرف في التنمية المستدامة والبناء الإقليمي.

إلى جانب البُعد السياسي، تتكشف أسباب اقتصادية بنيوية عميقة تفاقم من عمق الأزمة:

- اقتصادات ريعية أحادية الجانب: تعتمد هذه الدول بشكل مطلق على مصدر واحد للدخل (النفط أو الغاز)، مما يجعل موازناتها رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، والضغوط السياسية الدولية، والقرارات الخارجية.

- غياب التنويع الحقيقي وغياب المناعة: على مدار العقود الماضية، أخفقت هذه الدول في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ومتنوعة لصادراتها ووارداتها، واكتفت بشعارات «التنويع الرتوشي» القائم على العقارات والخدمات الاستهلاكية الوهمية. ولعل تجربة الحصار البري والبحري والجوي الذي تعرضت له قطر سابقاً من قِبل دول خليجية وعربية تُعدّ الدليل الأسطع على هشاشة هذه البنى؛ حيث انكشفت سريعاً عورة هذه الاقتصادات واعتمادها الكلي على الخارج حتى في أبسط مقومات الأمن الغذائي والاستهلاكي، لولا تدخل دول الجوار الحقيقية لإنقاذ الموقف.

- عبودية «البترودولار»: الاعتماد المفرط على عائدات النفط والغاز خلق ثقافة اقتصادية استهلاكية بعيدة عن الإنتاج الحقيقي، حيث جُيرت عائدات «البترودولار» لتمويل الصفقات العسكرية وتغذية التوترات، بدل توظيفها في بناء اقتصاد متين ومنتج يقاوم الصدمات.

بناءً على ما سبق، سألنا الأستاذ أبو طالب عن تقييمه للوضع الحالي، فأجاب:

نعم، يمكن أن يكون السؤال هل يمكن أن تكون أزمة مضيق هرمز التي كشفت هشاشة الاقتصاد العالمي بكله ـ بغض النظر حتى عن اقتصادات دول الخليج ـ هل يمكن أن ينظر إليها كمجرد عرض لمرض أعمق تعاني منه دول منطقة؟

الجواب باعتقادي نعم وبكل تأكيد لا يمكن فصل أزمة هرمز عن الطبيعة الريعية والاعتماد شبه الكل على منتج واحد بين قوسين النفط والغاز هذه البنية الاقتصادية هي تخلق في الواقع هشاشة استراتيجية كما قلنا أنها تجعل من المضيق والسلعة شريان حياة وشريان موت عندما أغلق المضيق وتوقف تصدير السلعة أصبحت هذه الدول على شفاة الهاوية

دعونا نسمي الأشياء بمسماتها ونواجه الحقيقة؛ الاقتصاد الريعي يعني أن الدولة تعتمد على مصدر دخل واحد وهو النفط والغاز تقريبا لتمويل كل شيء بعض الدول في المنطقة يصل اعتمادها على الواردات النفطية إلى أكثر من 70% وهذا اعتماد مفرط سبب أن يكون مضيق هرمز نقطة اختناق حقيقية لهذه الدول واقتصاداتها فعندما يهدد المضيق هو لا يقطع المدد عن قطاع صناعي محدد ضمن الاقتصاد الكلي بل يهدد العمود الفقري للدولة بأكمالها فإغلاق مضيق هرمز باعتقادي ليس حدث أمني عابر بل هو صدمة كبيرة لهذه الاقتصادات الريعية

بعض الدول التي تمتلك بعض المنافذ مثل السعودية والإمارات لديها منافذ بعيدا عن مضيق هرمز لكن استمرار تدفق النفط يظل أيضا مربوط باستقرار أسواق الطاقة إذا ما أخذنا في الحسبان أن السعودية أيضا تتعرض لإغلاق هذا المنفذ البديل الذي هو الينبع على البحر الأحمر بسبب الضربات اليمنية في معادلتهم الحصار مقابل الحصار إذن هذه الدول باعتقادي هي أمام مفارقة قاتلة اقتصاد ريعي يجعل منطقة رهينة للممر الماء الواحد ويهدد الأمن الاقتصادي وأيضا هنا يجب أن نفرق بين اقتصادات دول الخليج واقتصاد إيران الذي لا يعتمد على النفط والغاز كلية بل يعتمد على اقتصاد متنوع

 

فاصل و نواصل

 

 

(المحور الثالث)

أمام هذا المأزق البنيوي والسياسي، لم تعد خيارات الهروب إلى الأمام أو الرهان على الدعم الغربي تجدي نفعاً. فالحلول الواقعية والمستدامة لإنقاذ اقتصادات جنوب الخليج الفارسي من السقوط في الهاوية باتت واضحة المعالم، وتتلخص في النقاط التالية:

- التنويع الاقتصادي الحقيقي لا الشكلي: الخطوة الأولى تبدأ بالتخلي عن اقتصاد الريع الأحادي، والانتقال الجاد نحو بناء قواعد إنتاجية حقيقية في قطاعات الصناعة، والتكنولوجيا، والزراعة، والتجارة البينية، بما يضمن مناعة حقيقية ضد تقلبات أسواق الطاقة والصدمات الجيوسياسية.

- الشراكة الاستراتيجية في الطاقة عبر بوابات الجوار: في قطاع الطاقة، تبرز مشاريع التكامل الإقليمي كفرصة ذهبية؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لقطر أن تستثمر البنية التحتية والعمق الجغرافي الإيراني لتصدير غازها نحو الأسواق المتعطشة للطاقة في العراق وباكستان من خلال الأراضي الإيرانية. إن هذا المسار لا يوفر فقط تكاليف باهظة ومخاطر بحرية عالية، بل يثبت مجدداً أن إيران تمثل الممر الآمن والمستقر والركيزة الأساسية لأمن الطاقة في المنطقة.

- بناء تعاون إقليمي حقيقي بعيداً عن التبعية: إن المخرج الأهم يكمن في إرساء دعائم تعاون اقتصادي إقليمي حقيقي وندي، قائماً على أساس التكامل واحترام سيادة الدول ومصالح شعوبها، لا على التبعية العمياء للقوى الاستعمارية الغربية التي لا ترى في ثروات المنطقة سوى غنيمة للنهب. فالتجربة أثبتت أن استقرار المنطقة واقتصاداتها لا يحميه حلف عابر أو صفقة تسلح، بل يضمنه جيران أوفياء وشراكة إقليمية نابعة من صلب الواقع الجغرافي والتاريخي المشترك.

وفي هذا السياق، سأل أصدقائي الأستاذ أبو طالب، الخبير الاستراتيجي الاقتصادي من اليمن: هل يمكن التعويل على أن تفرز هذه الأزمة تعاوناً وهيكلاً اقتصادياً حقيقياً لدول المنطقة في غرب آسيا يضمن لها نمواً متوازناً؟، فأجاب بالآتي:

باعتقادي هذا هو السؤال الأهم؟ السؤال هل نستطيع تحويل هذه الأزمة إلى فرصة؟ الإجابة تطلب أولاً تفاؤلاً حذراً لأن الفرصة موجودة لكن ليست حتمية بمعنى أن هذه الدول بحاجة إلى أن تصل إلى هذه الفرصة أو تحقق هذه الفرصة أن تتوفر لديها الإرادة السياسية للتعاون في المنطقة مع الجار الكبير إيران بعيداً عن التدخل الأجنبي في قضايا الأمة أو في قضايا المنطقة الأزمة تجعل تكلفة الاستمرار في النموذج الريعي باهظة ومكلفة وغير مأمونة كما رأينا أن الاعتماد على منتج واحد هو وصف لكارثة الضغط الاقتصادي الناتج عن الأزمات وما يدفعنا عنه تنويع حقيقي وهذا ما يجب أن تأخذه الدول الخليج بالدرس الصعب لأن هذه الدول بدأت تدرك هذا الشيء كما فعلت السعودية في ما تسميها رؤية 2030 للتنويع ولكنها لم تكن رؤية حقيقية واقعية لأنها جلبت لنفسها انعدام الأمن بسبب عدوانها على اليمن

أعتقد أن التعاون الإقليمي ليس طرفاً بل هو ضرورة للبقاء لهذه الدول لأن إيران على اقتصادها الكبير واجهت صعوبات حقيقية فما بالك بهذه الدول التي تعتمد بشكل كلي على الإيرادات النفط

البعض رأى في التقارب الإيراني السعودي في عام 2023 أنه فرصة لبناء نظام بيئي اقتصادي وأمني مشترك ولكن بعد اندلاع الحرب العدوانية على إيران استفتت السعودية مرة أخرى وهي الدول الخليج إلى جانب العدو الأمريكي وهذا يضع عقبات أمام أي تفاؤل بشأن إقامة علاقات اقتصادية متكاملة للمنطقة بالإمكان الوصول إلى هذا التكامل ولكن يجب تجاوز الصراعات التي تفتعلها الولايات المتحدة الأمريكية وبناء ثقة متبادلة ولكني أعتقد أنه ما زال حاليا صعب في ظل استمرار الحروب العدوانية والحصار على كل من إيران واليمن لأن اليمن أيضا ساهم في تعميق الأزمة للدول الخليج عندما شن العملية الحصار بالحصار وحاصر الميناء الذي تصدر منه السعودية نفطها في البحر الأحمر

نصيحة لهذه الدول أنها إذا أرادت أن تنجح في الحفاظ على اقتصاداتها يجب عليها أن تبادر إلى التنويع والتنويع يتطلب التعاون التكاملي مع إيران وهذا ما يجب أن تستغله هذه الدول من دروس صعبة من هذه الحرب العدوانية وإشعال المنطقة في الخليج بسبب السياسات العدوانية للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني

 

فاصل و نواصل

 

مستمعونا الكرام!

إن ما تشهده اقتصادات دول جنوب الخليج الفارسي اليوم ليس مجرد عثرة عابرة في دورة الأعمال، بل هو الحصاد المُرّ لسياسات عسكرة الإقليم، والرهان الخاسر على قوى الهيمنة، والابتعاد عن المحيط الطبيعي والجغرافي.

إن تبديد الثروات في صفقات التسلح وحروب الاستنزاف قد أثبت عقم الخيارات الأحادية والتبعية المقيتة. وفي المقابل، تظل معادلة «اقتصاد الجار» ثابتة لا تحيد؛ فاستقرار المنطقة ورفاه شعوبها لا يُبنى على الرمال المتحركة ولا يُشترى بالتحالفات العابرة، بل يرتكز حصراً على قواعد الشراكة الإقليمية الحقيقية والتكامل الندي مع الجوار. فحين تدرك عواصم القرار الخليجي أن نجاتها تكمن في التعاون لا في التبعية، وحين تُسخّر الثروات للبناء لا للدمار، ستفتح أمام شعوب المنطقة أبواب واعدة من النمو المستدام والأمن المشترك.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة