وكانت قزوين، الواقعة على بعد نحو 130 كيلومتراً غربي طهران، تضم أكثر من مئة خزان للمياه، بحسب روايات تاريخية، لم يبقَ منها اليوم سوى عدد محدود، من أبرزها «سردار الكبير» و«سردار الصغير» و«حاج كاظم» و«حكيم»، إلى جانب خزانات ارتبطت بالمسجد الجامع والأسواق التاريخية.
وتتميز هذه المنشآت ببنائها تحت سطح الأرض، ما وفر حماية للمياه من أشعة الشمس والتقلبات الحادة في درجات الحرارة، فيما غُطيت الخزانات بقباب وأقواس آجُرية ضخمة، مستفيدة من الخصائص الحرارية للتربة وسمك الجدران.
وكانت خزانات المياه جزءاً من منظومة متكاملة ارتبطت بالقنوات الجوفية والمجاري المائية، وتوزعت داخل الأحياء والأسواق والمساجد والمراكز العامة، بما أتاح توفير المياه للسكان بصورة لامركزية.
ويعد «سردار الكبير» من أبرز نماذج هذه العمارة، إذ يضم خزاناً مربع الشكل تبلغ سعته نحو 4900 متر مكعب، وتغطيه قبة ضخمة بقطر يقارب 17 متراً، فيما يتميز «سردار الصغير» بتقسيم خزان المياه إلى أربعة أقسام بواسطة عمود مركزي كبير.
واعتمد البناؤون في تشييد هذه المنشآت على الآجر وملاط «الساروج» المقاوم للماء، وهو خليط تقليدي من الرمل والطين والجير والرماد وشعر الماعز وبياض البيض، مع اختلاف تركيبته وفق الظروف المحلية.
ولا تقتصر أهمية هذه الخزانات على تخزين المياه، إذ تشير دراسات هندسية إلى أن تصميم القباب لعب دوراً في تنظيم الظروف الحرارية داخلها. وأظهرت دراسة حاسوبية لأربعة خزانات في قزوين أن القباب الأقصر تعرضت لإشعاع شمسي أكبر، لكنها كانت أكثر ملاءمة للمناخ القاري البارد نسبياً في المدينة.
كما استخدمت بعض الخزانات «البادگيرات»، وهي أبراج لالتقاط الرياح وتوجيه الهواء إلى الداخل، بما ساعد على التهوية الطبيعية وتنظيم درجات الحرارة والرطوبة، في نموذج مبكر لما يعرف اليوم بالتصميم البيئي السلبي.
ولم تكن «آبانبار» منشآت خدمية فحسب، بل تحولت إلى جزء من المشهد المعماري للمدن الإيرانية، إذ زُينت بعض مداخلها بالنقوش والبلاط والزخارف، وارتبط بعضها بالمجمعات الدينية والخيرية والأسواق.
ومن أبرزها «سردار الكبير» و«سردار الصغير»، اللذان شُيدا خلال عهد فتح علي شاه القاجاري واكتمل بناؤهما عامي 1812 و1814 على التوالي.
وفي حين يعد «سردار الكبير» من أكبر خزانات المياه التاريخية المحفوظة في إيران، تتفوق عليه من حيث السعة منشآت أخرى في جنوب البلاد، أبرزها خزان «كل» أو «كنج البحر» في مدينة غراش بمحافظة فارس، الذي تبلغ سعته نحو 13,872 متراً مكعباً، وخزان «دريا دولت» في بندر كنك بمحافظة هرمزغان، بسعة تقارب 8620 متراً مكعباً.
وتكشف هذه المنشآت عن معرفة متقدمة لدى البنائين الإيرانيين التقليديين في مجالات إدارة المياه والهندسة الإنشائية وعلوم المواد والتكيف مع المناخ، بعدما نجحوا في الجمع بين التخزين تحت الأرض والعزل الحراري والتهوية الطبيعية ومقاومة تسرب المياه.
وبقيت خزانات قزوين شاهداً على منظومة هندسية اعتمدت على الموارد المحلية والخبرة المتراكمة عبر الأجيال، وحولت الحاجة الأساسية إلى المياه إلى إرث معماري وتقني لا يزال يلفت اهتمام الباحثين والمهندسين حتى اليوم.