البث المباشر

اقتصادُ الجوار... فرصٌ وآفاق / الضغوط الاقتصادية على إيران

الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 16:43 بتوقيت طهران

في حلقتنا سنناقش مع الخبير الإيراني مخططات وزير الخزانة الأمريكية الرامية إلى ممارسة الضغوط الاقتصادية على إيران، وسنبحث في المقابل الاستراتيجيات والخطط التي تعتمدها طهران لتجاوز هذه الضغوط.

أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.

في حلقتنا لهذا اليوم، وبعد استعراضنا لأهمّ الأخبار، سنناقش مع الخبير الإيراني مخططات وزير الخزانة الأمريكية الرامية إلى ممارسة الضغوط الاقتصادية على إيران، وسنبحث في المقابل الاستراتيجيات والخطط التي تعتمدها طهران لتجاوز هذه الضغوط.

البداية، مع جولة في أبرز العناوين والأخبار:

 

  • وزير الطاقة: قدرة إيران على إنتاج الكهرباء تجاوزت 14 ضعفاً

أعلن وزير الطاقة أن قدرة إيران على إنتاج الكهرباء قد ارتفعت من حوالي 7000 ميغاواط في بداية الثورة إلى أكثر من 103000 ميغاواط في الوقت الحاضر، أي بزيادة تجاوزت 14 ضعفًا. وأشار وزير الطاقة إلى ازدياد إنتاج الكهرباء بالتناسب مع عدد السكان، وفي إيران ومنذ بداية الثورة، ومع تضاعف عدد السكان مرتين أو ثلاث مرات، زادت قدرة توليد الكهرباء بأكثر من 14 ضعفًا، حيث تُعد إيران من بين أفضل خمس دول في العالم في تكنولوجيا محطات توليد الطاقة، ويتم تصدير جزء كبير من معدات محطات توليد الطاقة إلى دول عديدة.

 

  • تسليم النفط الإيراني للزبائن مستمر

قال وزير النفط: إن عملية بيع النفط الخام خارج المنطقة المائية الإقليمية الإيرانية مستمرة. وأشار محسن باك نجاد إلى عملية بيع وتسليم النفط الخام الإيراني، وأضاف: لا أدخل في التفاصيل، لأنها معلومات قد يُسيء العدو استخدامها إذا تم الإفصاح عنها. وتابع: في فترات معينة، أتيحت لنا الفرصة لنقل جزء من النفط إلى نقطة التسليم للزبائن، وكان ذلك جزءاً معتبراً.

وقال باك نجاد: حتى هذه اللحظة، استمرت عملية البيع خارج منطقتنا المائية الإقليمية وفي المياه البعيدة، أي تسليم النفط للزبائن، خلال الفترة الفاصلة بين الحصارين اللذين تجاوزناهما. وأوضح: بعد الحصار أيضاً، تستمر عملية البيع، ونحن نسعى بجد لاستمرار العمل واتخاذ التدابير اللازمة لضمان الاستمرارية. محسن باك نجاد

 

  • مسار جديد لتصدير الصلب والحديد الإيراني إلى العراق

أعلن رئيس مجلس محافظة البصرة العراقية، خلف لفتة البدران، عن دعوة الشركات الإنتاجية في محافظة أصفهان الايرانية للمشاركة في معرض البصرة، وتعريف المستثمرين والفاعلين الاقتصادvيين العراقيين بقدرات أصفهان الصناعية والفنية والهندسية.
وعلى هامش زيارته للمعرض الثامن عشر المتخصص للصلب والمسابك والصناعات المرتبطة في أصفهان، برفقة محافظ أصفهان، شدد رئيس مجلس محافظة البصرة، على ضرورة تطوير التعاون الاقتصادي والصناعي بين أصفهان والبصرة، وأضاف: خلال هذه الزيارة، تم دعوة عدة شركات إنتاجية من أصفهان للمشاركة في معرض البصرة، لعرض منتجاتها وقدراتها وإمكانياتها الفنية والهندسية على المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين والشبكات التجارية العراقية، مشيراً إلى قدرات أسواق جنوب العراق، وقال: يمكن للشركات الإيرانية أن تلعب دوراً مؤثراً في مختلف المجالات الصناعية والخدمات الفنية والهندسية وتوفير السلع التي تحتاجها مدن محافظة البصرة والمناطق الأخرى في جنوب العراق.

 

==== فاصل

 

في حلقتنا اليوم، نتوقف عند السؤال الأبرز في مسار المواجهة بين طهران وواشنطن: لماذا بات الميدان الاقتصادي الساحة الرئيسية للضغوط الأمريكية على إيران؟ فمع انسداد أفق الخيارات العسكرية وارتفاع كلفة أي مغامرة صلبة أمام قوّة الردع الدفاعية الإيرانية، تحوّلت العقوبات والحرب المالية إلى الأداة المفضّلة لدى صانع القرار في البيت الأبيض. غير أن هذا الرهان يواجه هو الآخر تساؤلات جوهرية حول سقوف فاعليته وقدرة إيران على امتصاص الصدمات وإعادة هندسة علاقاتها التجارية مع القوى الصاعدة في العالم. لماذا اختارت واشنطن نقل المعركة بالكامل إلى الجبهة الاقتصادية؟ وما هي حدود هذا الخيار؟

 

في أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الأمنية، تُعدّ العقوبات الاقتصادية الشاملة عادةً الملاذ الأخير أو الأداة الموازية التي تبرز بعد إخفاق الاستراتيجيات المباشرة. إن التصعيد المستمر للضغوط الاقتصادية الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدى العقود الماضية لا يعكس تنوعاً في أدوات واشنطن الاستراتيجية، بقدر ما يكشف عن وصول خياراتها العسكرية والسياسية إلى طريق مسدود في مواجهة طهران. وبعد استنفاد سيناريوهات متعددة، نقلت واشنطن ميدان المعركة الرئيسي إلى الحرب الاقتصادية وتطويق الشرايين المالية؛ وهي ساحة تنبع من معطيات بنيوية وإنجازات استراتيجية راكمتها إيران.

يتمثل السبب الأول للتركيز على الحرب الاقتصادية في نجاح استراتيجية الاكتفاء الذاتي والتطور العسكري الإيراني. فقد أدّى تطوير سلاسل التسليح المحلية -من الصناعات الصاروخية ومنظومات الطائرات المسيّرة وصولاً إلى العقيدة الدفاعية غير المتناظرة- إلى جعل كلفة أي عمل عسكري مباشر ضد إيران غير محسوبة العواقب وباهظة الثمن بالنسبة لصُنّاع القرار في الغرب. وعندما تُسحب الخيارات الصلبة من الطاولة أو تفقد فاعليتها بفعل ثبات معادلة الردع، يتحول استنزاف القواعد الاقتصادية إلى الأولوية الأولى لدى مراكز التفكير وصناع القرار في منظومة العقوبات.

وتُظهر القراءة التحليلية لتجارب التدخلات الغربية في الشرق الأوسط -لاسيّما النموذجين العراقي والأفغاني- أن الهياكل الحاكمة في تلك الدول تعرضت للانهيار، وفراغ السلطة، وانعدام الاستقرار المستدام عقب الحروب والضغوط المكثفة. وفي المقابل، لم يقتصر مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تجاوز المنعطفات الحرجة والحرب المفروضة بالحفاظ على تماسكها البنيوي فحسب، بل أثبتت وجود قاعدة اجتماعية وقدرة عالية على الصمود المؤسسي، ما أفشل سيناريوهات تغيير النظام عبر الضربات الخارجية السريعة. ومن هذا المنظور الغربي، فإن السبيل الوحيد للتأثير على هذا الصمود هو تصعيد الاستنزاف المعيشي ومحاصرة المنافذ التجارية لرفع كلفة استمرار هذه المنظومة.

وراكمت طهران عبر العقود الماضية، خصوصاً في ذروة الأزمات، خبرة واسعة في تحييد مفاعيل الحصار وابتكار مسارات بديلة للتجارة والتدفقات المالية. هذا التمرس في توظيف شبكات التجارة متعددة المستويات، وتنويع الشركاء الإقليميين والدوليين، واستخدام الصرافة المالية والتبادل التجاري بالعملات المحلية خارج هيمنة الدولار، أجبر التحالف الغربي على ابتكار حزم عقابية متجددة باستمرار في محاولة لقطع هذه المسارات الالتفافية.

يشار إلى أن من أهم ركائز الثبات الاقتصادي في إيران هو الاستثمار الواعي للفرص والمحطات المرحلية لتدعيم البنية التحتية للاقتصاد، حيث نجحت في تحقيق الأمن الغذائي والدوائي واستقرار الاحتياطيات.

وفي هذا السياق، أجرى زملاؤنا حواراً مع الخبير في الشؤون الاقتصادية، سيد حسن محفوظي، حيث طرحوا عليه السؤال التالي: لماذا عادت الولايات المتحدة مجدداً إلى نهج “الضغوط القصوى” الاقتصادية، بعد مرور أربعين يوماً على “حرب رمضان” وثلاثة عشر يوماً على “معركة هرمز”، دون أن تنجح في تحقيق أهدافها؟

 

إن فرض العقوبات الاقتصادية وممارسة الضغط الاقتصادي كان استراتيجية ثابتة لولايات المتحدة الأمريكية وبشكل عام، كان جزءا من استراتيجية النظام الغربي تجاه إيران بهدف ممارسة الضغوط التي من شأنها إرهاق مقاومة الشعب الإيراني واضعافها وبعد سنوات من العقوبات الشاملة والسياسة الضغط الأقصى التي يُعبر عنها في بيان أمريكي التي مارستها الدول الغربية وأمريكا بقيادة الولايات المتحدة ضد الشعب الإيراني وهي السياسة تتنافى مع أبسط مبادئ أخلاقية لأنها كانت تستهدف أفراد المجتمع الإيراني كافة واحدا تلو الآخر

تتبين أن هذه العقوبات خلافا لما كان يدعيه المسؤولون الغربيون لم تكن ذكية أو غيرها أو موجهة بشكل دقيق بل ألقت ظلالها على الشعب الإيراني بأكمله وأثرت في جميع أفراده وبعد كل هذه العقوبات قررت الدول الغربية الانتقال إلى خيار الحرب العسكرية ضد إيران والآن بعد هذين الحربين التي شنتا ضد إيران عادت الاستراتيجية مرة أخرى إلى السياسة العقوبات والضغوط الاقتصادية وفي الواقع فإن هذا الأمر ليس جديدا فقد واصلت إيران لسنوات طويلة ممارسة أنشطتها ومواصلة سياساتها في ظل هذه الضغوطات والعقوبات وبرأيي أن عجز الولايات المتحدة وبشكل عام النظام الغربي عن تحقيق النصر في الحرب العسكرية وتحقيق مكاسب وإنجازات ملموسة دفعتها إلى العودة مجددا إلى استراتيجية الضغط الأقصي الاقتصادي على أمل أن تتمكن من خلال هذه الضغط الاقتصادي الأحادي الذي تفرضه من جانب واحد من ممارسة الضغوط على الشعب الإيراني وتحقيق المكاسب السياسية لصالحها بعد عجزها في الحرب ضد إيران

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

يبقى السؤال الجوهري المطروح في الأوساط التحليلية: هل بمقدور موجات الضغط الاقتصادي الأمريكي الجديدة تحقيق أهداف واشنطن المعلنة، والمتمثلة في فرض مراجعة استراتيجية على طهران أو إرغامها على تغيير مسارها؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي قراءة متأنية في المسار التاريخي للعقوبات، ورصد ديناميات التجارة الدولية، وتحليل مقومات الصمود الذاتي للاقتصاد الإيراني. تُثبت وقائع العلاقات الإيرانية - الأمريكية أن العقوبات ليست أداة مستحدثة، بل هي سياسة ممتدة لأكثر من أربعة عقود تتبع مساراً متناقص الجدوى والأثر. ففي حقبة جيمي كارتر دشنت واشنطن أول حصار اقتصادي عبر تجميد الأصول وقطع العلاقات التجارية؛ لكنها عجزت عن إيقاف بنية الثورة والدولة الناشئة. وفي حقبة باراك أوباما فُرضت ما سُميت بـ"العقوبات الشاملة" وبناء تحالفات دولية واسعة، غير أن مسارها انتهى بالاعتراف بالحقوق النووية الإيرانية وإبرام الاتفاق النووي عام 2015. وفي الولاية الأولى لدونالد ترامب اعتمدت استراتيجية "الضغط الأقصى" وأشدّ منظومات الحظر الأحادي قسوةً في التاريخ الحديث في مسعى لتصفير صادرات النفط؛ لكنها أخفقت -باعتراف مراكز الأبحاث ومسؤولين أمريكيين- في انتزاع استسلام سياسي أو كبح نفوذ طهران.

ولم يعد لجوء واشنطن إلى الضغط الاقتصادي محصوراً في الملف الإيراني، بل اصطدم بمعوقات بنيوية على الصعيد العالمي، مثل: انحسار جدوى حرب التعرفات الجمركية، وتراجع نفوذ العقوبات أحادية الجانب.

وعلى الرغم من الأعباء وكلفة المعاملات التي تفرضها العقوبات، فإنها عجزت عن خنق الشرايين المالية الحيوية للبلاد، حيث نجحت إيران عبر شبكات لوجستية مرنة، وعمليات المقايضة الإقليمية، وقاعدة مستوردين موثوقين في آسيا، في تصدير النفط والمشتقات البتروكيماوية وتأمين نسبة عالية من الموارد المالية للموازنة العامة للدولة. كما ساهم التدفق المستمر للنقد الأجنبي وإدارة سوق الصرف في تعزيز القدرة على تمويل السلع الأساسية والمواد الاستراتيجية، وإحباط خطط الحصار المالي الأخيرة. وعززت طهران الاتفاقيات النقدية الإقليمية، ووسّعت التبادل التجاري مع دول الجوار، ووظفت منظومات مالية بديلة لنظام "سويفت"، ما قلص من فاعلية أدوات الرقابة الأمريكية.

وكان من أبرز التداعيات غير المحسوبة للضغوط الغربية تسريع وتيرة تنويع مصادر الدخل القومي في إيران، حيث أصبحت الصناعات التعدينية، والصلب، والمنتجات البتروكيماوية، وقطاعات الاقتصاد المعرفي، وتصدير الخدمات الهندسية ترفد الخزينة بحصة وازنة من الإيرادات الحرة.

وفي هذا الإطار، استطلعنا رأي سيد حسن محفوظي حول مدى نجاح خطة وزير الخزانة الأمريكية، فأجاب قائلاً:

 

في ظل ما يشهده النظام الاقتصادي والتجاري العالمي من التحولات المتسارعة وفي ظل تصادم الانتقادات الدولية للسياسات القيود الاقتصادية والتعرفات الجمركية والنهج الأحادي الذي تتبعه الولايات المتحدة نلحظأن عددا متزايدا من الدول يبدأ في اتخاذ مواقف مختلفة إذاء هذه السياسات وصحيح أن كثيرا من الدول قد لا تذهب في مواقفها إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة إلا أنها على الأقل في المستوى السياسي والإعلامي تعبر عن غفظها لهذه النهج وتبدي قلقا متزايدا من التحويل التجارة والاقتصاد العالمي إلى أداة للضغط السياسي وفي هذا السياق يحظى الموقف الإيراني بقدر ملاحظ من التفهم والتعاطف من قبل عدد من الدول العالم ولاسيما فيما يتعلق بحق إيران في اتخاذ إجراءات ورد مناسب على العقوبات والقيود الاقتصادية التي تفرض عليها وهذا التفهم لا يعني بالضرورة تأييدا كاملا لكل السياسات الإيرانية طبعا من جانب الدول المختلفة ولكن يعكس ادراكا متزايدا لأن فرض القيود الاقتصادية بشكل أحادي وخارج إطار التوافق الدولي يطرح تساؤلات جدية حول مدى شرعيته وفعاليته وأثره على المجتمع ولعل أهم من ذلك أننا لا نرى هذه التحولات على مستوى الحكومات فقط بل نراها أيضا على مستوى الشركات والمؤسسات المالية والتجارية والمختلف الفعالين في الاقتصاد العالمي وفي القطاع الخاص وهناك توجه متزايد نحو تنويع الشركاء والأسواق والقنوات التمويل والدفع وإلى آخره وأيضا تقليل الاعتماد على النظام الاقتصادي والمالي الأمريكي بشكل متدرج والسؤال هنا لماذا يحدث ذلك؟

 لأن الدول والشركات بدأت ترى أن الاعتماد الكبير على طرف واحد في التجارة والتمويل والنظم المالي وإلى آخره يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى مصدر مخاطر سياسية واقتصادية ولم تعود هذه المخاطر مجرد افتراض النظري بل أصبحت واقعا على الأرض الواقع واقعا تراه دول مختلفة وحتى بعض حلفاء الولايات المتحدة وما يجري مع كندا في سبيل المثال وكما ظهر في علاقات الولايات المتحدة مع عدد من دول أخرى وأيضا في منطقة الخليج الفارسي أيضا

 

يظهر لهذه الدول أن العلاقات الاقتصادية والتجارية لا يمكن دائما فصلها عن الحسابات السياسية ومن هنا يبدأ مفهوم جديدا في التشكل أن يكون تنوع الشركات الاقتصاديين والماليين خيارا تجاريا فقط لا ليس خيارا تجاريا فقط بل أيضا خيارا استراتيجيا لإدارة المخاطر وتقليل التبعية في مستوى الدولي وفي مستوى الحكومات والدول الموجودة وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدا وهي ما يمكن تسميته بالأثر العكسي للعقوبات ماذا يعني الأثر العكسي للعقوبات؟

العقوبات الاقتصادية لا تؤثر على الدول المستهدفة فقط بل يمكن أن تحدث مع مرور الوقت تغييرا في سلوك الدول والشركات والمؤسسات التي تفرضها أو تستخدمها هذه العقوبات فعندما تستخدم العقوبات بصورة متكررة وواسعة مثل ما نراه في عمل الولايات المتحدة تبدأ الدول في البحث عن بدائل لتقليل تعرضها لهذه المخاطر ومعني آخر فإن أداة العقوبات نفسها يمكن أن تدفع الدول إلى عادة تشكيل بنية تعاملاتها الاقتصادية والمالية وإلى آخره ومع مرور الوقت يمكن أن نجد أن منظومة التعاملات العالمية نفسها تبدأ في التغيير فتظهر قنوات جديدة للتجارة والتمويل والتسويات المالية والأمور المصرفية ومثلها وتتوسع العلاقات الثنائية بين البلدان وتزداد أهمية الأنظمة والمؤسسات الاقليمية مثل ما نراه في بريكس في شانكاي وإلى آخره وبذلك فإن أداة العقوبات التي كانت تفترض أن تزيد من قدرة الدول التي طاردت لها على التأثير

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

يُعدّ الإجماع الدولي وموافقة القوى الاقتصادية الكبرى شرطاً بنيوياً لنجاح أي منظومة حصار شامل. غير أن التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، وبروز آليات مالية وجيوسياسية مستقلة في الشرق والجنوب العالمي، أوجدت بيئة دولية مغايرة تماماً لما كانت عليه في العقود السابقة، مما يحدّ من قدرة واشنطن على فرض إرادتها الاقتصادية.

تصريحات الفريق الاقتصادي في الإدارة الأمريكية (ومن بينها إشارات شخصيات مثل سكوت بيسنت) عكست توجهاً نحو خوض مفاوضات ثنائية منفصلة مع كل دولة على حدة بشأن التعرفات الجمركية والإجراءات العقابية.

يُعدّ هذا النهج الانتقائي اعترافاً ضمنياً بعجز واشنطن عن صياغة إطار عقابي دولي موحد؛ إذ إن التفاوض الثنائي يفتح الباب حتماً أمام "الإعفاءات والاستثناءات التجارية" لتفادي حدوث صدمات في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، وهو ذات الثغرة التي أحبطت سابقاً استراتيجية "تصفير صادرات الطاقة الإيرانية".

الانخراط الإيراني الفاعل في التحالفات الكبرى بالشرق والجنوب العالمي شكّل مظلة استراتيجية لإفشال مخططات العزل الغربية. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مشاركة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وتوسيع الاتصالات مع الدول الأعضاء، رسالة واضحة حول تجذير التقارب بين طهران والاقتصادات الصاعدة، حيث تعمل منظمتا "بريكس" و"شنغهاي" بشكل حثيث على تطوير شبكات مراسلة مالية بديلة، وتعزيز التبادل التجاري بالعملات الوطنية، وتدشين آليات للمقاصة والتجارة المتبادلة المتعددة الأطراف؛ وهي خطوات عملية تسلب العقوبات التابعة للدولار فاعليتها وقدرتها على الملاحقة العابرة للحدود.

وبصفتها الشريك التجاري الأكبر والمستورد الرئيسي للنفط الإيراني، لم تكتفِ بكين برفض الامتثال للضغوط الأمريكية، بل وضعت أطراً قانونية للمواجهة، منها: قانون مكافحة العقوبات الأجنبية في الصين، حيث يتيح هذا القانون فرض عقوبات وإجراءات عقابية مضادة بحق الشركات والمؤسسات الدولية التي تنفذ العقوبات الأمريكية أحادية الجانب وتضر بالمصالح والأنشطة التجارية المشروعة للصين. إن حاجة بكين الاستراتيجية لأمن الطاقة واعتمادها على المصافي المستقلة -غير المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي- ضمنا استمرار تدفقات النفط الإيراني بوتيرة مستقرة ومستدامة.

وفي ظل خضوع روسيا لعقوبات غربية واسعة، التقت المصالح الاستراتيجية بين موسكو وطهران لإيجاد حلول لوجستية ومالية مشتركة، حيث تم ربط شبكات المراسلات المالية بين البلدين مع تسوية التبادلات التجارية بالروبل والريال، ودفع مشاريع البنية التحتية المشتركة. كما وظّفت إيران موقعها الجيوسياسي لربط خطوط الملاحة في بحر قزوين وشبكات السكك الحديدية في آسيا الوسطى، مما وفّر مسارات نقل آمنة ومحصنة ومستدامة لتأمين السلع الاستراتيجية، وكسر طوق الحصار البحري والتجاري الذي تحاول القوى الغربية فرضه.

كما توجهنا بالسؤال إلى السيد محفوظي، بصفته خبيراً في الشؤون الاقتصادية، حول موقف الصين وروسيا ومدى تماشيهما مع الضغوط الأمريكية، حيث سألناه وهو قال:

 

في رأيي، كما أن كلا من صين وروسيا لم تبديا تعاونا مع المحاولات المتعلقة بتفعيل ما يسمى بآلية الزناد ضد إيران فإنه من المرجح أيضا أن لا تبديا تعاونا مع العقوبات الاحادية التي تفرض على إيران خارج إطار القرارات الدولية وفي رأيي فإن هذا الموقف يمثل فرصة مهمة لإيران لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والمالية والتجارية مع هاتين الدولتين ولا سيما في المجالات التي يمكن أن تساهم في تقليل آثار العقوبات وتوسيع قنوات التعامل الدولي ولذلك فإن المطلوب ليس فقط الحفاظ على مستوى التنسيق السياسي القائم بل يجب أن ننتقل إلى مرحلة آخر عملية من خلال توسيع قاعدة التعاون وتطوير آليات جديدة للتبادل التجاري والمالي والتسويات بما يخدم المصالح المشتركة لإيران والصين

 

فاصل ونواصل البرنامج

 

يندرج التجاوب الإماراتي مع مساعي واشنطن لتشديد الرقابة المالية والحصار التجاري ضد طهران ضمن سياسة إقليمية باتت ثابتة وملموسة. فالتنسيق الاقتصادي بين أبوظبي والإدارات الأمريكية ليس معزولاً عن تموضعها الإقليمي الشامل، بل يعكس تحالفاً وظيفياً يتقاطع في كثير من الملفات مع التوجهات الغربية في المنطقة.

ويتماهى الموقف الإماراتي الحالي مع دورها البارز في مرحلة ما بعد عملية "طوفان الأقصى"؛ فحينما فرضت صنعاء حصاراً بحرياً على الموانئ الإسرائيلية في البحر الأحمر، تدخلت الإمارات لفتح ممرات برّية وشبكات إمداد لوجستية بديلة مكّنت تل أبيب من الالتفاف على الضغوط وتأمين احتياجاتها الاستهلاكية. وبالنهج ذاته، توظّف الإمارات اليوم أدواتها المصرفية والجمركية لتشديد الخناق على شبكات الصرافة والشركات الوسيطة المتعاملة مع إيران، تلبيةً للمتطلبات الأمريكية وسعياً لتأكيد انخراطها في المحور الأمني والاقتصادي الغربي.

اتسم التبادل التجاري بين إيران والإمارات تاريخياً بكونه معتمداً بشكل شبه كامل على "الاستيراد الثانوي" وتجارة الترانزيت وإعادة التصدير والوساطة المالية، دون أن يرتبط بمنتجات صناعية أو تقنية تصنعها الإمارات نفسها. هذا الواقع الهيكلي يعني أن دبي لم تكن يوماً مصدراً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه للسلع، بل كانت مجرد محطة عبور ومقاصة تجارية؛ وهو ما يمنح طهران المرونة العملية لنقل هذه الأنشطة تدريجياً نحو منافذ وبدائل جغرافية أخرى.

قد يؤدي تقييد حركة المعاملات وحسابات الشركات في الإمارات إلى بعض الأضرار المرحلية، مثل ارتفاع رسوم التحويلات المصرفية وبطء وتيرة سلاسل الإمداد لبعض البضائع في المرحلة الأولى؛ هذا في الوقت الذي تسعى إيران بشكل جدي وممنهج إلى إبعاد بنيتها المالية والتجارية عن الاعتماد على دبي والدرهم الإماراتي، وذلك من خلال: الاعتماد المتزايد على موانئ ومناطق حرة أكثر استقراراً ومرونة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان وموانئ قطر. وتجاوز الوسطاء واستخدام العملات الوطنية بصورة مباشرة (كاليوان الصيني، الروبل الروسي، الروبية الهندية، والليرة التركية)، مما يلغي الحاجة للمرور عبر القنوات النقدية الإماراتية. وتحويل مسارات تأمين السلع الأساسية والمواد الأولية إلى ممرات بحر قزوين ودول أوراسيا وآسيا الوسطى، ما يسهم في تحصين الأمن التجاري بعيداً عن الممرات الجنوبية المعرضة للنفوذ الأمريكي.

وخلال حوارنا مع السيد محفوظي، سألناه عن تقييمه لخطوة الإمارات في تماهيها مع السياسة الاقتصادية الأمريكية، وعن الإجراءات التي قد تتخذها إيران رداً على هذا التوجه؟ فأجاب قائلاً:

 

يجب أن نكون واقعيين في تقييمنا للمشهد فتعزيز العلاقات مع دولة لا يعني بأي حال بناء تبعية اقتصادية أو تجارية مفرطة لهذه العلاقة بين بلدين وأيضا نشير أن السياسة تنويع مصادر الاستيراد وتنويع شركاء التجاريين وفتح قنوات متعددة للتعامل الاقتصادي والمالي يجب أن تكون سياسة ثابتة ومستمرة لدي إيران فالاعتماد المتبادل والتعاون الاقتصادي أمر إيجابي أما الاعتماد المفرط على شريك واحد فهو مصدر مخاطر يجب أن نتجنب منه والمعادلة الأفضل هي أن نبني علاقات قوية مع الأمارات وأيضا مع باقي الدول المنطقة وفي الوقت نفسه توسع شبكة من شركائنا في المنطقة والعالم بما يضمن لإيران مرونة أكبر وقدرة أعلى على مواجهة المتغيرات والأزمات الاقتصادية والسياسية

 

تكشف الضغوط الاقتصادية الأمريكية المتواصلة ضد طهران عن مأزق استراتيجي يعكس انسداد الخيارات الصلبة وفاعلية قوة الردع الإيرانية، أكثر مما يعكس موقع قوة لواشنطن، فأثبتت إيران، رغم الأعباء المرحلية، عبر أكثر من أربعة عقود امتلاكها مناعة مؤسسية وخبرات تراكمية تحول دون حدوث أي انهيار هيكلي، مدعومةً بتحول حقيقي نحو تنويع مصادر الدخل وتجاوز الارتهان للنفط واستمرار تدفقات الطاقة. كما فقدت واشنطن قدرتها التاريخية على حشد العواصم الكبرى خلف سياساتها؛ فبكين وموسكو باتتا تريان في العقوبات الأحادية تهديداً لسيادتهما. ويشكل انخراط إيران الفاعل في تكتلي «بريكس» و«شنغهاي»، إلى جانب تفعيل ممرات النقل الاستراتيجية كبحر قزوين، شبكة أمان تُبطل مفعول العزل الغربي وتضع المخططات الأمريكية في طريق مسدود. وأثبتت طهران قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص استراتيجية؛ فالتحركات الرامية للضغط المالي عبر الساحة الإماراتية تدفع إيران نحو إنهاء الاعتماد التاريخي على دبي كمركز وسيط، والتحول إلى قنوات تسوية مباشرة مع دول الإنتاج وبدائل لوجستية أكثر موثوقية، ما يسقط أوراق الابتزاز الاقتصادي ويحصّن القرار الوطني الإيراني على المدى المتوسط والبعيد.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة