البث المباشر

رواية الحق.. من البدء إلى اليوم (2)

الخميس 10 سبتمبر 2026 - 10:12 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثانية- نتحدث في هذه الحلقة عن سلالة الباطل وابتلاءات بني إسرائيل وصولاً إلى ظهور الصهيونية.

في البدء، كان هو وحده؛ فريد، لا حاجة له لشيء، وفوق الزمن.

فحين أراد قال "كُن" فكان.

بدأ الخلق بالنور... نورٌ كان تجليًا للإرادة الإلهية في الكشف عن أسماء الله وصفاته. وهكذا انبثق الكون من نافذة وجوده.

خلق الله الكون على أساس الخير واختار الإنسان على أساس كرامته ليكون مرآة لاسمه وحاملاً لأمانته. أمانة ثقيلة: الإرادة الحرة، للسير في طريق التقرب، أو الانزلاق إلى هاوية النسيان.

وقبل أن يكتمل الخلق ارتفع أول صوت إنكار. إذ وقف الشيطان، رمز التمرد الأول، أمام الأمر بالسجود لآدم وقال: "أنا خير منه".

ثم بدأت معركة... معركة لا تنتهي، لم تقتصر على سطح الأرض، بل امتدت إلى أعماق النفوس، والأفكار، وعبر التاريخ البشري. معركة طويلة الأمد بين الحق والباطل.

ألا يعتبر التاريخ تجسيدا لهذا الصدام؟

من قابيل وهابيل إلى فرعون وموسى، ومن يزيد والحسين (ع) إلى الكيان الصهيوني وإيران...

هذه الحلقة من البودكاست رحلة إلى قلب هذا الصراع.

معركةٌ انبثقت من أساطير قديمة، ولا تزال مشتعلةً حتى اليوم، وسط لهيب الحرب، وتلاعبات الإعلام، وإرادة المقاومة.

في هذه الحلقة، سنستكشف جذور سلالة الباطل، من أولى تحريفاتها إلى مولد الصهيونية.

والأهم من ذلك، طرح هذا السؤال:

لماذا لا يُعدّ الهجوم الصهيوني على إيران مجرد َحدث عابر، بل استمرارٌ للمعركة التاريخية نفسها؛ وتجلي جديد للمواجهة بين الحق والباطل؟.

انضموا إلينا في الحلقة الثانية من بودكاست "رواية الحق، من البدء إلى اليوم".

أحيانًا، عندما نقلب صفحات التاريخ، نشعر وكأننا نقرأ رواية لا تنتهي؛ كتابٌ كل فصل فيه يُشبه سابقه، لكنه لا يُكرر نفسه أبدًا. لأن الأحداث تعود للظهور في كل مرة بألوان وروائح جديدة، لكن بنفس المفاهيم الخالدة. تتشكل الآمال، ثم فجأةً، يُغطيها غبار الخيبة؛ هناك أيام يحتفل فيها الناس ويأملون في المستقبل، ولكن هناك أيضًا ليالٍ يُظلم فيها الخوف واليأس الحياة. وكأن الفرح والمعاناة، والإيمان والشك، والحب والخيانة، كخيوط سجادة كبيرة، قد نسجت تاريخ كل أمة وكل جيل.

ربما لم تتكرر أمام أعيننا روايةٌ باستمرارٍ وثباتٍ مثل الصراع بين الحق والباطل، من الأساطير القديمة إلى أحداث العالم اليوم. هذا الصراع القديم بين الحق والباطل، والنور والظلام، وإن لم يكن أزليًا وأبديًا، فهو توأم الحياة البشرية. كل جيل، عبر الزمن، أعاد سردها بكلماته ورواياته الخاصة. أحيانًا في صورة أساطير وحكايات، وأحيانًا في سطور الكتب المقدسة، وأحيانًا في زوايا الأدب والسينما ووسائل الإعلام المعاصرة. يتغير شكل هذا الصراع ولونه، لكن جوهره يبقى ثابتًا: صراع من أجل المعنى، من أجل العدالة، لإنقاذ الإنسانية من غياهب النسيان.

ما يجعل هذه المعركة تتجاوز حدود الأساطير والنصوص الدينية هو أن ثنائية الحق والباطل ليست مجرد سرد رمزي أو حكاية قديمة، بل هي واقع حيّ ومستمر، حاضرٌ دائمًا في سياق حياتنا الفردية والاجتماعية. هذه المعركة ليست من الماضي، ولم تقتصر على ساحات المعارك الكبرى في التاريخ، بل تُخاض كل يوم، كل ساعة، في أصغر خياراتنا: في قرارنا بين العدل والربح، في رد فعلنا على الظلم، في الصمت أو الكلمة التي ننطق بها في لحظة حاسمة. يكفي أن ننظر إلى الأخبار أو تجاربنا اليومية لنرى حقيقة تُكمم، أو كذبة تحاول أن تحل محلها. هذه هي ساحة المعركة الحقيقية، ليست في غياهب التاريخ، بل هنا، في قلب حاضرنا.

ولعل سرّ قوة هذا الكفاح الدائمة لا يكمن في صعوباته، بل في الأمل الذي لطالما ارتبط به، أملٌ في إمكانية بزوغ النور، حتى في أحلك اللحظات. هذا الكفاح، في حقيقته، انعكاسٌ لرغبة الإنسان الدفينة في العدل والتحرر؛ رغبةٌ لا تنطفئ، حتى لو قُمعت ألف مرة. في كل مرة يعيش فيها الإنسان في صمتٍ أو صراخ، في عزلةٍ أو أمام أعين العالم ليختار درب الحق، تُشعل شعلة هذا الكفاح من جديد. وكأن هذا الصراع محفورٌ ليس فقط في العالم الخارجي، بل في أعماق الضمير الإنساني؛ اختبارٌ رافقنا منذ فجر الخليقة، وسيستمر ما دام الإنسان موجودًا.

في هذه الرحلة الطويلة، تُعدّ قصة بني إسرائيل مثالًا خاصًا وبليغًا. لقد تكرر الصراع بين الحق والباطل لدى هؤلاء مرات عديدة بأشكال مختلفة، في الفرح والنصر، في الهزيمة والسقوط، بل وفي مفاهيم قد تكون قد حرفت الحقيقة أحيانًا.

إن مصير بني إسرائيل اختبار تاريخي عظيم أمام أعيننا؛ اختبارٌ تجلّى فيه معنى "التفضيل" بوضوح لأول مرة الموضوع الذي أشار إليه القران في قوله تعالى :" ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. لم يكن هذا "التفضيل الخاص" حكرًا عليهم بالطبع، بل في جميع الأديان السماوية، وجدت الأمم والجماعات مكانةً مماثلة في زمانها؛ لأنها كانت آنذاك أفضل سبيل لقبول الوحي وسلوك طريق الخلاص.

لم يكن هذا التفضيل ولا يزال، امتيازًا، بل هو علامة على المسؤولية: دعوة إلى خدمة واعية، وولاء للقيم الإلهية، ولعب دور مُلهم للأمم الأخرى. التفضيل يعني العيش على أساس الحق والعدل والولاء للقيم الإلهية؛ أن يكون الشعب بحياة مستقيمة وعادلة، مرآةً لصفات الله من رحمة وحكمة وعدل على الأرض.

لكن مسار التاريخ ليس دائمًا سهلًا ومستقيمًا. ما بدأ بوعدٍ بالنمو الروحي لبني إسرائيل، اتخذ تدريجيًا وجهًا مختلفًا تحت وطأة الكبرياء العرقي، والآراء الانعزالية، وتشويهات وتفسيرات نفعية للدين. فمفهوم الحقيقة، الذي كان ينبغي أن يكون عالميًا لا حدود له، اقتصر على شعبٍ مُحدد؛ وهذا التقييد فتح الطريق لتشويه الحقيقة وتبرير سلوكياتٍ تتعارض مع روح العدل والرحمة الإلهية.

منذ لحظةٍ ما، حلّت مزاعم التفوق العرقي محلّ التفوق الأخلاقي الذي كان يُفترض إثباته بممارسة الإيمان؛ وأصبح التفضيل الإلهي، الذي كان من الممكن أن يكون نموذجًا للتميز البشري، أداةً للسعي نحو التفوق، وإقصاء الآخرين، بل وحتى إضفاء الشرعية على الظلم. وعندما امتزج هذا التفضيل بالكبرياء والتحيز والنظرة الانعزالية، تضرر مفهوم الحق والصواب أيضًا؛ والمشروع الذي بدأ كمسارٍ صحيح تحوّل إلى أداةٍ للسعي نحو التفوق، بل وحتى الظلم.

إن قصة بني إسرائيل هي قصة صراعٍ دائم: أملٌ في الحرية وهزيمةٌ أمام الإغراء. الإيمان بالحق ونسيانه تحت وطأة الخوف أو الكبرياء؛ لحظاتٌ يغلب فيها التسامحُ القلوبَ، ولحظاتٌ يجرح فيها الخيانةُ الحقَ. صراعاتٌ أدت في نهاية المطاف إلى السقوط في هاوية الباطل.

رحلتنا في هذه الحلقة هي محاولة لفهم هذه الاضطرابات والتعقيدات نفسها. نريد أن نرى، ببساطة ودون تحيز، كيف يمكن لمفهوم بسيط، مثل "التفضيل"، أن يكون في البداية مصدر إلهام وهوية، وأملاً في التحرر والتماسك والتقدم نحو مستقبل مشرق. لكن هذا المفهوم نفسه، إذا ما تجرد عن الروحانية والعدالة والمسؤولية، يمكن أن يصبح تدريجياً أساساً للتمييز والغطرسة والعصيان للنهج الإلهي، بل وحتى الانحدار الأخلاقي لشعب بأكمله. في هذا المسار، نحاول دراسة عواقب هذه التطورات بعمق أكبر، ليس فقط من خلال استعراض الأحداث، بل أيضاً من خلال التأمل في الدوافع والمعتقدات.

في الجزء الثاني من هذه الحلقة، نبدأ رحلتنا في أرض مصر؛ من المكان الذي اتخذت فيه قصة بني إسرائيل طابع المعاناة والعبودية. حيث وُلد موسى (عليه السلام) في قلب الظلم والقمع، في قلب إمبراطورية استعبدت آلاف اليهود. وكما ورد في سفر الخروج، لسنوات طويلة، كانت سياط تجار الرقيق، كالمطرقة تهوي على أكتاف بني إسرائيل . شهدت أسوار مصر أجسادًا تتألم وأنينًا مكتومًا، وتلاشى الأمل وسط الطين والطوب الذي بُني لقصور الفراعنة، وخيم الظلام.

في تلك اللحظة، بزغ النور؛ فتح طفل عينيه على العالم، وارتبط مصيره بالحرية - موسى (عليه السلام). وكانت هذه بداية فصل جديد؛ فصل من الإيمان، والاختبار، ومعركة مفتوحة مع النسيان والتعصب والكبرياء.

يعلم كل من قرأ روايات العهد القديم أنه مع ظهور موسى (عليه السلام)، بدأ فصل جديد في تاريخ بني إسرائيل، فصلٌ مختلفٌ حافلٌ بالأحداث. فقد برز رجلٌ وقف في وجه سطوة فرعون المصري، بكلمة إيمان وإرادة راسخة. وفي النهاية، وبعون الله، تحرر بني إسرائيل من براثن العبودية وقيودها، وقادهم موسى(ع) إلى أرض مجهولة؛ رحلةٌ كانت بداية الحرية واختبارًا للولاء.

بعد أن تحرر بنو إسرائيل من ظلم فرعون، أُنزل عليهم الأمر الإلهي بالرحيل ودخول الأرض المقدسة. ولكن لما رأوا "العمالقة" من الظالمين الساكنين في تلك الأرض، رفضوا الأمر. وقالوا لموسى (عليه السلام): "... إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فيها ". بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك، وبجرأة ممزوجة بالعصيان، قالوا لموسى عليه السلام: « فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ »

أثار هذا العصيان غضب الله، فكانت النتيجة أربعين سنة من التيه في صحراء سيناء، فترة تردد واختبار وتدريب. ومع ذلك، لم يُحجب عنهم فضل الله: فقد ظللتهم السماء، ونزل عليهم طعامان سماويان - المن والسلوى - كل يوم على مائدتهم ؛ ليتعلموا أن الإيمان لا معنى له في الرخاء والراحة، بل في الطاعة والصبر.

حتى عندما غلب العطش بني إسرائيل وبدأ أملهم يتلاشى في قلب الصحراء، عادت إليهم رحمة الله مرة أخرى. واستجاب الله لطلب موسى عليه السلام الماء، فأمره: «اضرب بعصاك الحجر». وما إن وطئت العصا الصخرة حتى انفجرت منها اثنتا عشرة عيناً، وهو عدد أسباط بني إسرائيل. ووجد كل سبط عيناً خاصة به، دون أي نزاع أو لبس، لأنه "قد علم كل أناس مشربهم".

لكن على الرغم من نعم الله عليهم في الصحراء، كالمنّ والسلوى، إلا أن بني إسرائيل أظهروا جحودًا وعصيانًا. فأتوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.

كان هذا الطلب دليلًا على غفلتهم عن الغاية الروحية من رحلتهم. لم يكتفوا بتجاهل آيات الله، بل سلكوا طريق المعاصي والضلال. ولذلك، حلّ بهم الذلّ والفقر، وتعرضوا لغضب الله مرة أخرى.

وكأن التحدي الحقيقي لم يكن العطش أو الجوع، بل عدم القدرة على الإيمان بالصبر. كان اختبار الصحراء اختبارًا للإيمان، والإيمان أسمى من رؤية المعجزات.

لهذا السبب، بعد أن أنقذ النبي موسى عليه السلام بني إسرائيل من حكم فرعون وفتح لهم طريق الخلاص بمعجزات كثيرة، كان يُتوقع منهم الثبات على طريق الإيمان والشكر. إلا أنه، كما رأينا مرارًا في كلامهم وسلوكهم، ظل الشك والعصيان ملازمين لهم. وبلغ هذا العصيان والخيانة ذروتهما عندما واجهوا قومًا وثنيين، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يصنع لهم إلهًا كآلهة قومهم.

ذهب موسى عليه السلام إلى جبل الطور لتلقي الشريعة وألواح التوراة، وصلى ثلاثين يومًا، ولكن بأمر من الله، مُدِّد هذا النذر إلى أربعين يومًا. وفي غيابه، خدع رجل سامري بني إسرائيل مدعيًا أنه سيهلك موسى وأصحابه. فصهر حليّهم وصنع عجلًا من ذهب يصدر صوتًا غريبًا. لما سمع الشعب صوت العجل، سجدوا جميعًا له. ولما سجد بنو إسرائيل، قال السامري: «هذا إلهكم ».

ولما عاد موسى بألواح الشريعة ورأى مشهد عبادة العجل، غضب غضبًا شديدًا. ولكن لأن رحمة الله دائمًا ما تترك بابًا للتوبة، دعا شعبه مرة أخرى، وطلب منهم التوبة، وذكّرهم بأنهم يحملون أمانة عظيمة: الولاء للحق والوفاء بالعهد مع الله. ففي كل زلة سبيل للعودة إن أرادوا.

بعد سنوات من التيه والتوبة المتكررة، واجه بنو إسرائيل اختبارات أخرى. هذه المرة، لم تعد العبودية والفقر هما المشكلة، بل كان التحدي الأكبر هو الحفاظ على هويتهم، وإقامة العدل، والالتزام بوصايا الله. ومع مرور الوقت، تلاشى الفرح الأولي وحلّت محله الانحطاط؛ وتلاشت النجاحات التي كانت مرتبطة بالإيمان في ظل الفوارق الطبقية، وإساءة استخدام السلطة، والاستهتار بالقيم الأخلاقية. بعد وفاة موسى، اتُهم قادة بني إسرائيل مرارًا وتكرارًا بالخطيئة والفساد، بل وحتى بقتل أنبيائهم. وعاد الانقسام والشتات ليُخيّم على بني إسرائيل. أمضى كلٌّ من إشعياء وإرميا وحزقيال حياته يُحذّر الشعب، مُؤكّدين: "أنّ المال والسلطة قد يُضلّانكم عن طريق الحق".

ولا تزال أصواتهم حاضرة في النصوص الدينية. ذكّرهم الأنبياء بأنّ كلّ هذه المعاناة كانت نتيجةً للابتعاد عن الحق ونسيان العدل. وقد دفع هذا الوعي اليهودية إلى مراجعة نصوصها وإعادة تفسيرها.

هنا يبرز دور نصوص التلمود وتعاليم الكابالا في استمرار مسيرة هذا الشعب وانحرافه أكثر فأكثر نحو طريق الباطل؛ فالتلمود عبارة عن مجموعة ضخمة من القوانين والخطابات الفكرية التي تسعى، بعد قرون من الهجرة والتيه والضياع، إلى حماية اليهودي من الانحراف. تتحدث هذه النصوص عن "الذات واللاذات"، وعن الحدود الواضحة بيننا وبين الآخرين، وعن تفاصيل الحياة الجماعية. في حين أن هذا التعزيز للهوية لعب دوراً رئيسياً في بقاء اليهود، إلا أنه في بعض التفسيرات عزز أيضاً الشعور بالتميز وحتى التفوق.

سعت الكابالا، بكل ما فيها من غموض ووجوه عرفانية، إلى ربط معنى المعاناة والمنفى والانتظار بالأفق الإلهي. ومع تصاعد موجات معاداة السامية في أوروبا، تحوّل الأمل في ظهور منقذ والعودة إلى أرض الميعاد إلى مجرد وهم جماعي. وهكذا، حتى التعاليم التي كانت في الأصل دعوةً إلى الأخلاق والصبر، تُرجمت في أذهان البعض إلى حق خاص و"عهد لا يُنقض مع الله".

وفي هذه النصوص الدينية نفسها، تطور مفهوم "الشعب المختار" تدريجيًا من شعور بالمسؤولية والولاء إلى ادعاءٍ بوراثة أرض، ثم إلى مبررٍ للتفوق على الأمم الأخرى. يحمل هذا التحول التاريخي درسًا هامًا: إذا كان الاختيار مجرد واجب ومسؤولية، فهو مُلهم؛ أما إذا أصبح ذريعةً للهيمنة وإقصاء الآخرين، فهو ببساطة بعيد كل البعد عن الحقيقة.

في العالم الحديث، شهد كل شيء تحولات جذرية. مع صعود العلمانية والقومية في أوروبا، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، لم يعد كافيًا انتظار معجزة من السماء. هذه المرة، كان لابد من أخذ زمام الأمور بأيديهم. انبثقت الحركة الصهيونية تحديدًا من هذا التفسير الانتقائي لنصوص التوراة والتلمود والكابالا، وإهمال متطلباتها الروحية والأخلاقية. فكتب تيودور هرتزل وآخرون، دون مراعاة متطلبات العهد (كتطبيق الشريعة والعدالة الاجتماعية): "لم يعد بإمكان اليهودي تحمل المنفى؛ عليه أن يؤسس دولته".

عند هذه النقطة، امتزجت الفكرة القديمة لبني إسرائيل بأدوات السياسة والاستعمار في العصر الحديث. لم يعد العودة إلى "الأرض الموعودة" حلمًا كارثيًا، بل أصبح مشروعًا سياسيًا، بتكتيكات وذخيرة، بل وحتى بدعم من الحكومات الأوروبية. هذه المرة، أصبح مفهوم "الشعب المختار" مبرراً للهجرة وتغيير التركيبة السكانية لأرضٍ كانت ملكاً لشعبٍ آخر لآلاف السنين، أرض فلسطين.

والمؤسف أنه حتى لو كانت الفكرة الأولية للصهيونية استجابةً لمعاناةٍ حقيقية، فقد سارت الأمور على نفس المنوال التاريخي للتملص التدريجي من المسؤولية تجاه الفراغ؛ إذ اقترح قادة إسرائيليون أوائل، مثل بن غوريون ولاحقاً جابوتنسكي، استراتيجية "الجدار الحديدي" صراحةً: "لن يُضمن أمن إسرائيل بالتفاوض والحقوق، بل بالقوة القسرية". وقد ترسخ هذا النمط تدريجياً في سياسة النظام الإسرائيلي: بناء الجدران، وبناء المستوطنات، وإعادة تعريف "الآخر" كتهديدٍ وجودي، ومؤخراً، اللجوء إلى الإبادة الجماعية.

طوال القرنين العشرين والحادي والعشرين، حذر العديد من المفكرين اليهود، حتى في الأراضي المحتلة، من هذا التوجه. كتب شخصيات مثل مارتن بوبر ويشاياهو ليبوفيتز أن ابتعاد المجتمع الإسرائيلي عن العدالة والأخلاق يُزعزع أسسه ويُفسد روحانيته. ونصحوا بأن المعنى الحقيقي لـ"للتفضيل" يكمن فقط في أداء المسؤولية وتحقيق العدالة، لا في السيطرة على الآخرين.

مع ذلك، لم تقبل السياسات الرسمية ولا أقوى الحركات الصهيونية هذه الانتقادات قط. يُظهر استعراض التاريخ المعاصر أن وراء العديد من القرارات المصيرية - من طرد الفلسطينيين ومذبحتهم عام ١٩٤٨ إلى الحصار والإبادة الجماعية الحالية في غزة والمعاملة القاسية لأي صوت معارض - تكمن الحجة القديمة نفسها: "لنا الحق المطلق، والآخر باطل". هذا التوجه له منتقدون جادون حتى داخل الكيان الصهيوني ، لكن أصواتهم غالبًا ما تُكتم.

اليوم، يكفي النظر إلى خريطة غرب آسيا والأخبار المتداولة. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت كل موجة عنف في فلسطين، وكل مستوطنة جديدة، وكل اتفاق أمني جديد ذريعة لترسيخ السلطة عبر أدوات سرديات قديمة. وهنا ندرك أن الصواب والخطأ ليسا مجرد قضية دينية أو حتى فلسفية، بل لهما أيضاً أبعاد سياسية وفردية واجتماعية.

في ختام هذه الرواية، تبرز إحدى أهم الدروس المستفادة من هذا الصراع التاريخي، وهي أن الحقيقة، إذا انفصلت عن الروحانية والعدالة والشعور بالمسؤولية، ستفقد معناها تدريجيًا وتضيع في ظلام الباطل. فالباطل حتى وإن تستر برداء الدين أو الهوية وتزين بكلمات ورموز مقدسة، لن يدوم في نهاية المطاف وسيزول.

وسط تقلبات التاريخ، بقيت أسماء أولئك الذين قاوموا الظلم واختاروا الحق، رغم ما ترتب على ذلك من ثمن باهظ وصعوبات جمة بقيت حتى يومنا هذا؛ سواء في قصص بني إسرائيل القديمة، أو في صفوف المناضلين من أجل العدالة حول العالم اليوم، أو في أصوات الأطفال والشباب الفلسطينيين. هؤلاء هم ورثة الحقيقة، وهم يمنحون الأمل لمستقبل منطقة لا تزال تبحث عن العدالة والسلام.

لكن ما هو الحق؟ ومن أين أتت جذوره؟ في الحلقة الثالثة، ننطلق في رحلة جديدة: من زمن إبراهيم عليه السلام، ومن الإيمان والتوحيد الذي جاء به إلى العالم، إلى نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله، ومن ثم إلى منهج المذهب الشيعي ورؤيته للعالم. سنستكشف كيف تشكلت الجذور الفكرية والروحية للمذهب الشيعي على هذا الدرب، وكيف استمرت حتى يومنا هذا.

إذا أعجبكم هذا البودكاست، يسعدنا متابعتكم لنا وتعريف الآخرين به. كما يمكنكم مشاركة آرائكم واقتراحاتكم معنا عبر موقعنا الإلكتروني arabicradio.ir أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بنا. فحتى اللقاء القادم دمتم بخير وإلى اللقاء.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة