لطالما ارتبط مفهوم الجريح في الذاكرة الإيرانية بمجاهدي الدفاع المقدس؛ أولئك الذين حفرت سنوات الحرب ملامحها في وجوههم، فصار الشيب وساماً، والجراح عنوان كرامة، وعطر شلمجة رفيقهم الدائم. لكن اليوم، وبسبب وقاحة العدو وانعدام أي قيمة إنسانية لديه، تغيّر المشهد: صار الجرح بحجم جسد طفل، والضماد أكبر من ذراعيه الصغيرتين.

راستين … جسد صغير في مواجهة رصاص الحقد
في واحدة من أبشع صور الإرهاب التكفيري، وداخل حرم حضرة شاهچراغ (ع)، وُجّه السلاح إلى طفل لم يتجاوز عامه الثاني. راستين، بجسده النحيل وأنفاسه المرتجفة، واجه رصاصاً لا يعرف الرحمة. رصاص اخترق جسده الصغير، وكأن القاتل أراد أن يعلن عداءه الصريح للحياة ذاتها.
كانت العائلة في زيارة دينية، رحلة إيمانية كسائر رحلات المؤمنين، لكن صوت الطلقات حوّل السكينة إلى فوضى، والحرم إلى ساحة جريمة. أُصيب الطفل وذووه، لولا عناية الله وتدخل أحد أبناء شيراز الغيارى، الذي حمل راستين إلى المستشفى قبل وصول الإسعاف.

ثمانون يوماً قضاها راستين في المستشفى، بين غرف العمليات وأجهزة الإنعاش، ليُسجَّل اسمه إلى جانب أسماء جرحى صغار الوطن، ضحية جديدة للإرهاب الذي يستهدف قدسية الإنسان قبل أي شيء آخر.

زهراء … طفولة مثقلة بشظايا الجريمة
في ليلة 13 دي، ومع انتشار صور شهداء جريمة كرمان الإرهابية، تجسدت الفاجعة في صورة طفلة صغيرة، مجهولة الهوية، جسدها الغضّ مثقل بالشظايا، وشعرها ملطخ بدماء أحبّتها.
زهراء، الطفلة ذات العامين، كانت الناجية الوحيدة من انفجار أودى بحياة كل من حولها. استشهدت والدتها وجدتها، وبقيت هي شاهدة صامتة على جريمة هزّت وجدان إيران بأكمله.

كانت عائلتها، كآلاف العوائل، تواظب على زيارة مرقد الشهيد الحاج قاسم سليماني، في وفاء متجذّر لقيم الشهادة والمقاومة. لكن الإرهاب الأعمى لم يفرّق بين زائر ومسالم، فحوّل مسيرة العشق إلى مأساة.
زهرا اليوم ليست مجرد ناجية، بل رمز لثبات الطفولة في وجه الإرهاب، ودليلاً على أن دماء الأبرياء ستبقى تفضح زيف شعارات حقوق الإنسان.

كيان … نار الصاروخ التي لم تنطفئ
في عدوان صهيوني غادر، استُهدف منزل عائلة إيرانية آمنة. كيان، الطفل ذو الأعوام الستة، كان نائماً قرب والدته، يحلم بعودة قريبة إلى مدينته، قبل أن يخترق الصاروخ الإسرائيلي سقف الأمان.
استشهد والداه، ولحق بهما شقيقه الرضيع، بينما بقي كيان حياً، يحمل على جسده آثار الحريق، وفي قلبه نار الفقد التي لا تنطفئ. هو اليوم شاهد حيّ على أن العدو الصهيوني لا يستهدف الجغرافيا فحسب، بل يسعى لإحراق المستقبل نفسه.
ثنا … لعبٌ تحوّل إلى جراح
في قرية هادئة من قرى بيرانشهر، كان الأطفال يلعبون ببراءة، غير مدركين أن مخلفات العدوان الإسرائيلي ما زالت تحصد الأرواح بعد انتهاء القصف.
انفجرت الذخائر المتبقية، لتتحول الضحكات إلى صرخات. أصيبت ثنا إصابات بالغة حرمتها المشي، واستشهد شقيقها أميرعلي، واختلطت طفولة أصدقائها بالألم والحرمان.
هذه الجريمة، كغيرها، تؤكد أن الإرهاب الصهيوني لا زمن له، وأن آثاره تمتد لتلاحق الأطفال حتى في لحظات اللعب.
إن قصص جرحى صغار الوطن ليست استثناءً، بل جزء من سجل أسود للعدو، سجل يبدأ من فلسطين ولبنان واليمن، ويمرّ بإيران والعراق وسوريا، في ظل صمت عالمي مخزٍ.
كلما تجاهل العالم جرائم الكيان الصهيوني والإرهاب التكفيري، ستبقى الطفولة تُستهدف، وتُلبس ثوب الجراح قبل أوانه، وستظل دماء الأبرياء شاهدة على أن المقاومة ليست خياراً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.