البث المباشر

رجل ذو ألف عام (6)

الإثنين 25 مايو 2026 - 15:12 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة السادسة- في عام 387 هـ، توفي الأمير الساماني "نوح بن منصور"، وخلفه ابنه منصور، لكن نيران الخلاف والطموح بين أمراء وزعماء السامانيين أحدثت فوضى في شؤون البلاد.

غضب أحد العبيد الأتراك، الذي تولى منصب قائد الجيش في الدولة السامانية، من الملك الشاب لمعارضته حكم المنصور، فهرب إلى مدينة تُدعى "غزنة". استغل الفوضى وأنشأ حكومة مستقلة في غزنة، عُرفت فيما بعد بالحكومة الغزنوية.

كانت غزنة مدينةً في أقصى شرق أراضي السامانيين، ولم تكن الدولة السامانية تملك القوة الكافية لمواجهة حكومتها المستقلة، فاضطرت للاعتراف بها. دفع ضعف الدولة السامانية جيرانها إلى طمع أراضيهم، مما صعّب الأمور على الملك الشاب.

لطالما احترم البلاط الساماني الحكماء والعلماء والكتاب، ووفر لهم سبل العيش والراحة، إلا أن زعماء القبائل التركية في الدولة السامانية كان لديهم تعصب ديني معين، واعتبروا الحكمة والفلسفة والعلوم العقلية والجدلية كفرًا.

لطالما دعا القرآن الناس إلى التدبر والتفكر في آيات الله، إلا أن هؤلاء الزعماء الأتراك نبذوا الفلاسفة والحكماء المفكرين والعقلانيين، وحاربوهم. أدت هذه التعصبات العمياء إلى تفاقم الخلافات العرقية والدينية بين الناس، وتفاقم الصراعات الداخلية يومًا بعد يوم.

تدخل أتراك الدولة السامانية، بدعم من حكومة غزنة، في شؤون السامانيين، ولم يألُ الأمير الساماني الشاب جهدًا لحماية الدولة.

في مساء أحد أيام عام ٣٨٨ هـ، ورغم المصائب والكوارث المتوالية، كان أهل بخارى يستعدون للاحتفال بعيدهم السنوي وفرحهم. أشعل الناس، على عادتهم وتقاليدهم القديمة، نارًا، فلما اشتعلت، راحوا يفرحون ويرقصون ويصفقون حولها.

وأخيرًا، حلّ الليل، فانطفأ لهيب النار المتمرد، ولم يبقَ سوى القليل من الدخان والرماد. لكن لهبًا صغيرًا من تلك النار العظيمة لم ينطفئ. غمر الهدوء الليلي بيوت المدينة وأسواقها، حين ارتفع لهيب تلك النار الصغيرة عاليًا، فأيقظ أهلها.

خرج الناس مذعورين من منازلهم، كاشفي الرؤوس وحفاة الأقدام، وشكلوا حلقة حزن حول سور الإمارة الشامخ الذي التهمته النيران بالكامل. وارتفعت أصوات العويل والنحيب إلى السماء من كل جانب، وانتشر خبر في أرجاء المدينة: "احترقت المكتبة، واحترق كل شيء".

ومع بزوغ الفجر، وبعد أن خمدت النيران، لم يبقَ من تلك الغرف والصناديق المليئة بالكتب سوى كومة من التراب الأسود الدخاني والرمادي الحار. لقد التهمت النيران مدينة بخارى وقصور ملوك السامانيين الشامخة مرات عديدة، وفقد الكثيرون أرواحًا وممتلكات.

ولا شك أن حرائق أخرى لا تُحصى التهمت مدينة بخارى ومعظم مدن إيران الشاسعة، ثم نهضت من رمادها، لكن أياً منها لم يُحرق قلوب وأرواح العلماء والباحثين في سبيل العلم بقدر ما أحرقت المكتبات، ومن بينها مكتبة السامانيين القيّمة التي لا مثيل لها.

كل نار، كبيرة كانت أم صغيرة، تنطفئ في النهاية، وتُنسى معاناتها وأحزانها. لكن احتراق وذوبان نار "حارقي الكتب" تلك لا يزال يُؤلم قلوب وأرواح العلماء.

خمدت النيران التي أحرقت المكتبة السامانية العظيمة بالكامل وحولتها إلى رماد، لكن بعد ذلك، اشتعلت نار التبريرات وحقد المتعصبين. في اليوم التالي، استُدعي أهالي المدينة إلى محكمة عُقدت بحضور الملك الشاب وقياداته.

لم يشهد أحدٌ مثل هذه المحكمة قبل ذلك اليوم. عُقدت الجلسة خلف جدار المحكمة وفي مكان مبنى المكتبة المحترق والمنهار، لكشف فداحة الكارثة للناس، وإثارة حقدهم على الأيادي الشريرة التي ارتكبت هذه الجريمة النكراء.

لم يحضر أيٌّ من القضاة الذين عرفهم الناس بعلمهم ووعيهم وورعهم. قام بكل العمل قائدا الدولة السامانية الخائنان، "فائق الخاصة" و"بكتوزون".

أحضروا المتهمين، الذين اعتقلوهم وسجنوهم ليلاً، إلى المحكمة، وسردوا التهم بالتفصيل. ثم استدعوا شهودًا، وكان جميعهم من وجهاء المدينة أو مجهولين يرتدون زي العلماء والفقهاء. كما وصفوا المتهم بالكفر والزنا، واعتبروه مذنبًا بإحراق المكتبة الملكية، ومستحقًا عقابًا عظيمًا.

ومن هذه الكلمات الطائشة، احمرّت وجوه الناس، وفجأة انكسر الصمت الذي ساد المكان، وتعالت همهمات استياء الناس:

"من هؤلاء الشهود ومن أين أتوا؟!

كيف يُفترض أن تكون هذه شهادة؟ ..."

وبنظرة غاضبة من فائق وبكتوزون، فرق العبيد وحاملو الرماح الناس الساخطين.

ولما رأى الأمير "منصور بن نوح" الوضع على هذا النحو، التفت إلى قادته وقال بهدوء:

"كلنا نعرف هذا الشاب الحكيم، ونعلم أن شهرته تعود إلى قراءته وحبه للكتب واجتهاده العلمي، كيف يكون مثل هذا الشخص عدوًا للكتب والمكتبات؟ ما قولكم؟"

أجاب فائق، الذي ترأس هذه المحاكمة، بفخرٍ وغرور:

"كانت هناك دوافع عديدة... أهمها أن هذا الشاب الأناني المتمرد أراد إتلاف جميع نسخ المكتبة الفريدة، التي لم يكن أحدٌ سواه يملكها، ليحتكر جميع العلوم القديمة والحديثة ويزيد من تضليل الشباب".

بهذه الكلمات، ثار الشعب من جديد. وشهد الجميع على زيف هذه الادعاءات الباطلة. ولما رأى الملك الشاب صمود الشعب، استجمع شجاعته وتولى بنفسه إدارة البلاط ليكشف الحقيقة.

سأل الملك المتهم الشاب:

بورسينا!

كم سنة قضيتها في المكتبة؟

أجاب بو علي:

كما يعلم الأمير، سنة ونصف.

كم كان عدد الكتب في المكتبة؟

لم أحصِها، لكن المكتبة كانت تملك قوائم كبيرة تُسجّل اسم الكتاب، واسم المؤلف أو المُجمّع، والمترجم، والموضوع، وعدد صفحات كل كتاب.

تابع الملك:

كم من هذه الكتب قرأت؟

أجاب بو علي:

أعتقد أنني اطلعت على جميع الكتب في المكتبة.

فجأة، سُمع صوتٌ عالٍ وقاسٍ من بكتوزون، قائلًا:

كيف تجرؤ على قول هذا؟ ستستغرق قراءة كل هذه الكتب عمرًا كاملًا!!

رفع بو علي صوته أيضًا وقال:

"لم أكذب. ما قلته هو أنني اطلعت عليها جميعًا، أي رأيتها وقيّمتها جميعًا، وقرأت ما رأيته الأجدر بالقراءة، وتصفحت الصفحات أو الباقي بسرعة. لم أقرأ كتابًا من أوله إلى آخره، ولن أقرأه، بل أركز فقط على تفاصيله المعقدة، وأعلم يقينًا أن أحدًا لن ينخدع بقراءتي هذه".

ثم تابع أبو علي حديثه للملك:

"أيها الأمير، يوم دخلتُ المكتبة بإذن وأمر والدك الأمير نوح بن منصور، ما كنتُ أتخيل أن أرى هذا الكم من الكتب القيّمة في مكان واحد. في ذلك اليوم، وجدتُ إمارةً ذات غرفٍ كثيرة، في كل غرفةٍ صناديقٌ مليئةٌ بالكتب، وكل غرفةٍ مُخصصةٌ لعلمٍ مُحدد؛ إحداها لكتب العربية والشعر، والأخرى لعلمٍ آخر. درستُ قائمة الكتب وأخذتُ أي كتابٍ أشاء من أمين المكتبة. وجدتُ وقرأتُ كتبًا لم يسمع بها أحدٌ قط، ولم أرها قط... ولن أراها مرةً أخرى".

قال أبو علي هذه الكلمات بشغفٍ وندمٍ وحزنٍ شديدين، حتى انهمرت الدموع من عينيه، وعينيّ الملك، وقلوب كثيرٍ من الناس.

قال أمير منصور، وقد بدا عليه الحزن الشديد، بحزنٍ عميق:

"احترقت المكتبة واحترقت قلوبنا أيضًا، لكن هذه الجماعة لا تزال تعتبرك مرتكب هذه الجريمة".

ما هو جوابك؟

صعد بو علي على الجذع نصف المحترق، وردّ بلحنٍ نبع من حرقة القلب، أحرق القلوب وأذابها:

"يا أمير! هذا افتراءٌ عظيم، وكلُّ ذي قلبٍ طاهرٍ وحرٍّ يعلم أن هذه الكلمات باطلةٌ لا أساس لها".

والآن حان الوقت لأسأل كلَّ من في هذا الجمع:

"هل يعرفون أحدًا مثلي يُحبُّ الكتب ويُغرم بها، وفي سنوات المراهقة ونشوة الشباب، يُقلِّل من الطعام والنوم والراحة ومتع الحياة، ويمضي الليل والنهار مع الكتب، ويقرأها بجنون؟.

هل هناك من يُقدّر شرف وقدسية الكتب أكثر من حياته وشبابه؟"...

ليس هناك ما هو أكثر خزيًا وإهانة من اتهامي بحرق الكتب، لكن جوابي هو أنه حتى لو تجرأت على فعل هذا الشيء المقزز، لما تمكنت من فعله أبدًا لأنني لم يكن لديّ حق الوصول إلى المكتبة. مُنعت من دخول المكتبة والإقامة فيها قبل شهر بأمر وتهديد من حاجب سالار، أو بالأحرى، طُردت، والآن أعيش في المسجد ليلًا ونهارًا منذ شهر.

سأل الملك بدهشة:

ماذا تفعل في المسجد؟

أليس لديك منزل؟

تنهد أبو علي وأجاب:

"لم يعد لديّ أحد أو أي شيء أتعلق به. لأنني في هذا الشهر، فقدت جميع أحبائي، والديّ، وبيتي، والمكتبة، وأقضي حياتي في المسجد".

_ هل لديك أي دليل؟ هل رآك أحد هناك؟

_ نعم يا أمير. كل هذه الجماعة الحاضرة التي أحاطت بنا، لا تفارقني من الصباح إلى المساء.

_ ماذا يريد هؤلاء منك؟

في هذه اللحظة، انتهز "فائق" الفرصة وتولى زمام المبادرة، وقال ساخرًا ومُعاتبًا: "إنهم أنفسهم لا يدرون ما يريدون. لعلهم عطشى يرون سرابًا بدلًا من نبع ماء. وإلا، فكيف يظن شاب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره أنه عالم بجميع علوم الدنيا؟ هذا غير ممكن إلا إذا كان ملاكا أو يملك علم الغيب الذي يدّعيه؟! عليه أن يكشف أسراره في هذه المحكمة، وإلا فهو مخادع وكذاب ومخادع."

الملك الشاب، الذي استاء وانزعج، كسائر الناس، من هذه الكلمات، قال لبوعلي بلطف: "بورسينا! هذه فرصة سانحة. يمكنك أن تُطلعنا على هذه الأسرار. كيف اكتسبتَ هذا القدر الرفيع من المعرفة في بداية شبابك؟ ألم يكن هذا النجاح بفضل ذكائك وذاكرتك القوية؟".

صعد بو علي كومة من التراب والخشب نصف المحروق، وأجاب بصوت عالٍ وبليغ:

"يا أمير! يتحدث الناس عن ذكائي وذاكرتي، لكنهم لا يتذكرون معاناتي المهددة للحياة في سبيل الحقيقة. فليعلم الجميع أن أي قوة لا تُستخدم تضعف وتبذر، كما لو أن فلاحًا لم يستخدم منجله الحاد، فإنه يضعف ويتآكل ويصدأ، فيتلف محصوله. لا يدرك الناس القوة الأبدية التي وضعها الله في أجسادهم أو لا يستغلونها كما ينبغي.

من لم يكن لديه ذكاء كبير، ولكنه في ريعان شبابه، بدلًا من أن يكون تافهًا ومنغمسًا في الملذات، يقضي أيامه ولياليه في القراءة والكتابة والاستكشاف والبحث، ويكرس كل طاقته وقوته للدراسة والمناقشة والتفكير والتكرار والممارسة والتدريس فقط، فسوف ينجح.

إذا كنت أعرف أي شيء اليوم ونلت بعض معرفة أسلافي، فما كان ذلك إلا بالاستفادة من هذه النعمة الإلهية. لا أحد يعلم مدى معاناتي وجهدي وشغفي اللامتناهي في سبيل البحث عن الحقيقة وإدراك أسرار الخلق إلا الله وأحبابي المخلصين الرحماء، ومعلّمي الحكيمين، والداي. فليعلم الناس أن العمل والجهد نافعان، وليس الذكاء وحده، وهذه هي نهاية القصة عندما أقول إن الذكاء بدون عمل لا طائل منه".

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة