مرحباً بكم أعزائي المستمعين في حلقة جديدة من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا".
نغوص معاً في عالم اللوبيات، نفوذها، وتأثيرها في صناعة القرار بالولايات المتحدة الأمريكية.
في هذه الحلقة، وهي الحلقة السادسة من سلسلة حلقات بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا" ، نناقش أحد المواضيع التي قلما يتم التطرق لها بعمق: اللوبي العربي، تاريخه، تحوّلاته، وموقعه في المشهد السياسي الأمريكي.
لنبدأ بتعريف بسيط لمصطلح "العرب الأمريكيين"الذي يُطلق على الأمريكيين الذين تعود أصولهم إلى الدول العربية في غرب آسيا.
في أواخر القرن التاسع عشر، كانوا يُعرفون باسم "الشاميين"، وهي تسمية شملت أراضي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق. كما أنهم كانوا يسمون باللبنانيين والسوريين، العرب، الأتراك ولكن مع مرور الوقت، وبخاصة بعد عام 1967، أصبحوا يُعرفون أكثر باسم "العرب الأمريكيين".
هذه التسميات المتعددة تعكس طبيعة الهوية المتغيرة للعرب في أمريكا، وتُظهر أيضاً كيف أثّرت القوانين الأمريكية على شكل الجاليات، خاصةً قانون الهجرة الذي صدر عام 1965، والذي سمح بمزيد من الهجرة من دول خارج البحرالأبيض المتوسط، مما غيّر من تركيبة المجتمع العربي الأمريكي.
العرب الأمريكيون مجتمع متنوّع جداً. تختلف أصولهم بين من هاجروا في بداية القرن العشرين، ومن جاؤوا بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد نكسة 1967. وهناك أيضاً اختلافات كبيرة بينهم في الأصل، الدين، الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومستوى الاندماج في المجتمع الأمريكي العام.
لكن رغم هذا التنوع، تجمعهم أواصر اللغة العربية، الثقافة العربية، والاعتزاز بالإرث العربي والإسلامي. إلا أن المجتمع العربي الأمريكي يواجه صورة نمطية سلبية، وتمييزاً سياسياً وإعلامياً، ما يؤدي إلى مزيد من تهميشه وعزلته داخل المجتمع الأمريكي الأوسع.
هذا التهميش يظهر بوضوح في مجالات مثل الإعلام، المناهج الدراسية، وحتى في التعليم العالي. كما أنه يزداد وضوحاً في فترات الأزمات السياسية في غرب آسيا، لا سيما خلال تصاعد الصراع العربي–الإسرائيلي.
لكن المثير للاهتمام، أنه وفقاً لتعداد السكان الأمريكي لعام 2000، فإن العرب الأمريكيين يتمتعون في كثير من الجوانب بمستوى تعليم ودخل أعلى من المتوسط العام. فهم يشاركون في التجارة والمهن الحرة بنسبة ملحوظة.
ومع ذلك، لا تعكس هذه الأرقام الصورة الكاملة. إذ تشير البيانات أيضاً إلى أن نسبة الفقر بين العرب الأمريكيين أعلى من المعدل الوطني. فأكثر من 16 % منهم تحت خط الفقر مقارنة ب12% من عامة السكان، وتزداد هذه النسبة بين الشباب لتصل إلى أكثر من 22%.
يعاني العراقيون والفلسطينيون، خصوصاً من هم دون سن 18، من معدلات فقر أعلى، والعراقيون أيضاً يملكون أدنى نسب تعليم، في حين يتمتع المصريون بأعلى معدلات التعليم بينهم.
ومن حيث التوزيع الجغرافي، يسكن ثلثا العرب الأمريكيين في عشر ولايات فقط، ومن بينها تضم كاليفورنيا، ميتشيغان، ونيويورك، نحو ثلث العرب الأمريكيين.
ورغم هذه الكثافة السكانية في بعض المناطق، إلا أن الحضور السياسي للعرب الأمريكيين لا يعكس حجمهم ولا إمكاناتهم. لماذا؟
هناك عدة أسباب.
أولاً، الانقسام بين العرب من خلفيات مختلفة، وعدم وجود وحدة حقيقية تجمعهم. وحتى داخل نفس الخلفية، يبقى الولاء للعائلة أو العشيرة أقوى من الولاء لهوية عربية جامعة. هذا التفكك يُضعف صوتهم الجماعي في الساحة السياسية.
ثانياً، التردد في الانخراط السياسي. فكثير من العرب الذين هاجروا إلى أمريكا لم يخططوا للبقاء طويلاً، بل ظنوا أن وجودهم مؤقت، لذلك لم يروا فائدة تُذكر في الدخول إلى المعترك السياسي الأمريكي.
والنتيجة؟
لوبي عربي ضعيف وغير مؤثر بالمقارنة مع مجموعات ضغط أخرى أكثر تنظيماً وتماسكاً.
في القرن الماضي، لعب العرب الأمريكيون دورًا مهمًا في حركات الاحتجاج والدفاع عن حقوقهم، بهدف تحسين أوضاعهم داخل المجتمع الأمريكي. فقد شاركوا في تأسيس جمعيات خيرية، وبعض هذه الجمعيات تحوّلت لاحقًا إلى منظمات سياسية ومؤثرة، كما شاركوا في إضرابات عمالية، ودافعوا عن الحقوق المدنية لأفراد مجتمعهم.
خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، واجه المجتمع العربي – أو كما كانوا يُعرفون حينها بـ "الشامي" – تحديات كبيرة، خاصة في ظل الانقسامات السياسية التي جاءت بعد انهيار الدولة العثمانية.
فبدأت جماعات من داخل العالم العربي تحاول أن تجد لنفسها موطئ قدم بين الجالية العربية في أمريكا، للترويج لأفكارها ومواصلة نشاطها السياسي.
على سبيل المثال، كان هناك من دعموا فكرة إنشاء دولة لبنان تحت رعاية فرنسا أو أمريكا، بينما عارض آخرون ذلك، وطالبوا بقيام دولة سورية مستقلة. لكن أكثر ما أثار اهتمام العرب الأمريكيين في ذلك الوقت، هو القضية الفلسطينية.
فبعد الحرب، نجحت الحركة الصهيونية في الحصول على دعم بريطانيا لتنفيذ وعد بلفور عام 1917، ومنذ ذلك الحين أصبحت فلسطين محور القلق الأكبر لدى العرب في أمريكا، فبدأت تتشكل مجموعات ومنظمات وجمعيات داعمة لفلسطين في الداخل الأمريكي.
وإلى جانب هذا الوعي السياسي، برز جانب آخر وهو الارتباك العاطفي والعملي للعرب الأمريكيين تجاه أوطانهم الأصلية. فمع بدء الحرب العالمية الأولى، شعر كثير منهم بالعجز عن مساعدة أهلهم في بلادهم، ولم يكن للدعم المالي أثر فعّال في التخفيف من معاناة الشعوب تحت الاحتلال العثماني.
عندها بدأ زعماء المجتمع العربي الأمريكي بتشجيع أفراد الجالية على الانضمام إلى الجيش الأمريكي لمحاربة الدولة العثمانية. و هو أول قرار واضح نحو اندماج العرب في الحياة السياسية والعسكرية الأمريكية.
رغم كل التحديات والعقبات السياسية التي تواجه الجالية العربية الأمريكية، هناك بعض النجاحات والإنجازات التي لا يمكن إنكارها. فقد أدى عمل المؤسسات العربية المختلفة إلى مشاركة أكبر في الحياة السياسية، وزاد عدد المسجلين من العرب في الانتخابات، وارتفع عدد المرشحين العرب للمناصب السياسية. كما أن الوعي السياسي لدى الجيل الجديد من العرب الأمريكيين بدأ ينمو بشكل ملحوظ، وازدادت ثقتهم في قدرتهم على التأثير.
لكن، وعلى الرغم من هذا التقدم، عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية تخص العرب، فإن النجاح ما زال محدودًا. والسبب الأكبر لذلك هو الصورة النمطية السلبية التي يحملها جزء من المجتمع الأمريكي عن العرب.
هناك أسباب كثيرة وراء هذه النظرة السلبية:
"منها ما ترسب من الحروب الصليبية القديمة، والصور الإعلامية السلبية عن العرب، والعنصرية المعادية للعرب، والسياسات التي تُظهر العرب والمسلمين كـ "أعداء"، بالإضافة إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي زاد الطين بلّة.
هذه الصورة المشوّهة أثّرت على مدى تقبّل العرب في الساحة السياسية الأمريكية، بل وأدت إلى محاولات متعمدة لتقييد مشاركتهم السياسية.
لنأخذ بعض الأمثلة الواضحة:
"في عدة مناسبات، تم رفض تبرعات مالية قدمها العرب الأمريكيون لحملات انتخابية سياسية، فقط بسبب هويتهم. مثلًا، التبرعات التي قدموها لهيلاري كلينتون في انتخابات مجلس الشيوخ عام 2000، أو لجوزيف كينيدي في عام 1968، أو لويلسون غود خلال ترشحه لمنصب عمدة في 1983، أو حتى لوالتر مانديل خلال حملته الرئاسية عام 1984 جميعها تم إرجاعها، بذريعة أن "العرب ليسوا أمريكيين حقيقيين".
والهدف من ذلك، كما يقول بعض المراقبين، لم يكن قانونيًا أو ماليًا بقدر ما كان رمزيًا؛ وكأن الرسالة هي: "أنتم لا تنتمون إلى هنا"، أو "أنتم أجانب ولستم مواطنين".
في الساحة السياسية الأمريكية، يتم استخدام أساليب معينة لإبعاد العرب الأمريكيين عن دوائر التأثير، خاصة في ما يخص السياسة الخارجية الأمريكية، وتحديدًا القضايا المرتبطة بـ إسرائيل.
يمكن القول إن هذا النوع من التمييز السياسي هو السبب الرئيسي وراء ضعف تأثير اللوبي العربي الأمريكي وفشل الكثير من المنظمات المرتبطة به في تحقيق نتائج واضحة.
أكدت أكثر من ثلاثين دراسة أن تأثير اللوبي العربي في أمريكا أضعف بكثير من تأثير اللوبي الإسرائيلي. ورغم أن بعض الشخصيات والمنظمات العربية تحاول أن تُظهر أن لها نفوذًا وتأثيرًا، إلا أن الواقع والدراسات تقول غير ذلك. وحتى عندما يحاول بعض مؤيدي إسرائيل في الكونغرس أو وزارة الخارجية التقليل من شأن نفوذ اللوبي الصهيوني، بل ومقارنته أحيانًا باللوبي العربي، فإن الحقيقة تبقى واضحة وهي أن اللوبي العربي لم يحقق نجاحًا يُذكر في أي من القضايا المتعلقة بسوريا، العراق، لبنان، فلسطين أو حتى السعودية.
أعزائي المستمعين، إذا كنتم تسمعون إلينا حتى الآن، فهذا يعني أنكم استمعتم إلى الحلقة السادسة من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط السياسي في أمريكا"، ولهذا نشكركم من أعماق القلب على متابعتكم.
في هذه الحلقة، استعرضنا معًا تاريخ اللوبي العربي الأمريكي، وناقشنا الأسباب التي تقف خلف فشله في التأثيرعلى السياسة الأمريكية.
في الحلقة القادمة، سنتحدث عن واحدة من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة: اللوبي اليهودي – الصهيوني، وسنحاول فهم كيفية عمله وأين يكمن تأثيره الحقيقي.
يسعدنا جدًا أن تتابعونا في الحلقات المقبلة، وإذا أعجبكم المحتوى، لا تنسوا مشاركته مع أصدقائكم.
شكرًا لكم على اهتمامكم،
وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل،
مع حلقة جديدة من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا".
دمتم بخير
وإلى اللقاء.