تعتبر مصطلحات "الشعب اليهودي" و"أرض الأجداد" و"المنفى" و"الهجرة إلى إسرائيل" و"أرض إسرائيل" و"أرض التوبة" والكلمات المشابهة لها هي الكلمات الأساسية في أي إعادة بناء للماضي الوطني في إسرائيل. ولكن معظم هذه الكلمات مختلقة ومزيفة وهي من صنع هذا الكيان نفسه لغرض تشويه التاريخ ليخترع لنفسه تاريخا وهوية وعرقا .
مرحبًا بكم..
في هذه الأيام تشكل الهجمات الصهيونية المدمرة على غزة والإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني أهم الأخبار في العالم. ليس للصهاينة أي خط أحمر في الانتقام من عملية طوفان الأقصى. كما أنهم لم يدخروا طيلة الـ 75 سنة الماضية أي جريمة بهدف احتلال فلسطين وإقامة دولتهم اللقيطة. ولكن لتبرير سلوكهم أمام الرأي العام وإضفاء الشرعية على احتلال فلسطين، يعتمدون دائما على أداة الظهور بمظهر المظلومية.
لقد كان قتل اليهود في الحرب العالمية الثانية، والتي تسمى بالهولوكوست، من أهم الأدوات والذرائع لدى الصهاينة للتستر وراء ستار المظلومية والإضطهاد المزعوم. أي شخص في أي مكان في العالم ينتقد تصرفات إسرائيل في فلسطين المحتلة فسيُتهم بمعاداة السامية ويُدان في معظم الدول الغربية ويُحكم عليه بعقوبات مالية باهظة حتى السجن. وكان أقل العقوبات هو الفصل من مكان العمل وتقييد الأنشطة الاجتماعية والإعلامية.
لكن يبقى هذا السؤال قائما وهو صحيح أن الأوروبيين أبادوا اليهود في الحرب العالمية الثانية ولكن لماذا على الشعب الفلسطيني والمسلم أن يدفع ثمن هذه الإبادة؟.
بطبيعة الحال، هناك روايات مختلفة حول مقتل اليهود في الحرب العالمية الثانية. بحيث إن العديد من الكتاب الغربيين يعتبرون المحرقة الصهيونية أسطورة. بالطبع، نحن في هذا البودكاست، لا نريد الخوض في تحليل موضوع المحرقة.
لقد لجأ الصهاينة إلى أداة أخرى لتبرير احتلالهم الأراضي الفلسطينية، وهي صناعة رواية تاريخية عن حق الشعب اليهودي في تكوين دولته في فلسطين لأمة بلا أرض. تفتقد هذه الرواية لأي أساس من الصحة بحيث إن بعض المفكرين من اليهود شككوا في هذه الرواية الصهيونية عن تاريخ الشعب اليهودي في فلسطين.
يحاول هذا البودكاست دراسة إحدى أهم الروايات الملفقة للصهاينة تحت عنوان تاريخية "الأمة اليهودية" وسرد أسباب اختلاق "القومية " اليهودية.
ابقوا معنا في الحلقة الأولى من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي".
كتاب "اختراع الشعب اليهودي" ليهودي يعيش في فلسطين المحتلة إنه "شلومو ساند" الأستاذ في مادة التاريخ في جامعة تل أبيب الذي يشكك في كتابه تاريخ الشعب اليهودي في الرواية الصهيونية عن تكوين الشعب والقومية الصهيونية.. وقد واجه شلومو ساند إنتقادات صريحة من قبل زملائه في جامعة تل أبيب.
في هذا السياق يكتب شلومو ساند في مقدمة كتابه قائلا:
"بغض النظر عن إثارة ضجة حول الأخطاء البسيطة، فقد اشتكوا بشكل رئيسي من أنه ليس لدي الحق في مناقشة تاريخ الشعب اليهودي لأن مجال خبرتي هو أوروبا الغربية. ولن يتعرض المتناولون للتاريخ اليهودي للانتقاد إذا ما لم ينحرفوا عن طريق الفكر السائد".
ويقول شلومو ساند إن مفردات "الشعب اليهودي" و"أرض الأجداد" و"النفي" و"الهجرة إلى إسرائيل" و"أرض إسرائيل" و"أرض التوبة" وغيرها من المفردات المشابهة هي الكلمات الأساسية في أي عملية إعادة بناء لإسرائيل. ويعد الإمتناع من استخدامها بدعة.
يشير شلومو ساند في بداية الكتاب إلى أنه طرح أسئلة وأجوبة حول الشعب اليهودي وذلك في أجواء غير آمنة لوجود الكثير من النقاد، سواء داخل الجامعة أو خارجها.
كما أن أي سؤال مثيرللشكوك حول أبعاد المحرقة سواء في الأراضي المحتلة، أو حتى في الدول الغربية، له عواقب وخيمة. كما أن السؤال عن وجود كيان يسمى الشعب اليهودي هو أيضا أمر محرم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يقول مؤلف كتاب إختراع الشعب اليهودي في هذا السياق: " إن الخبراء في تاريخ اليهود لا يحددون عادة لأنفسهم أسئلة أساسية ، محيرة للوهلة الأولى ولكن أولية. لذلك من المستحسن أحيانا القيام بذلك لأجلهم وبدلا منهم:
"هل كان هناك حقا شعب يهودي طوال آلاف السنين في حين تلاشت واختفت كل الشعوب؟.
"كيف ولماذا صار"التناخ" أي التوراة مكتبة ثيولوجية مدهشة لا يعلم أحد متى كتبت أو حررت أجزاؤها، كتاب موثوق به يرسم ولادة أمة"؟.
على سبيل المثال، بينما تداعت واختفت مختلف الشعوب و الأقوام هل كانت الأمة اليهودية موجودة بالفعل منذ آلاف السنين؟.
يواصل شلومو زند الحديث عن الشكوك حول الشعب اليهودي:
"لو أن اليهود في العالم كانوا حقا " شعبا" فما هو الشيء المشترك في مكونات الثقافة الإثنوغرافية ليهودي في كييف ويهودي في المغرب غير الاعتقاد الديني وبعض الممارسات الدينية؟".
وربما رغم كل ما قيل لنا كانت الديانة اليهودية مثيرة فقط ، إنتشرت قبل انتصار الديانتين المنافستين لها ، المسيحية والإسلام ، ورغم الإهانات والملاحقات التي تلقتها هل ستطاعت أن تشق طريقها لتصل إلى العصر الحديث؟.
الإدعاء الذي يشخص اليهودية على أنها كانت دوما ثقافة إيمانية مهمة ولم تشكل أبدا ثقافة شعب موحدة، يحط من قدرها، كما يروج أنصار القومية اليهودية منذ مئة وثلاثين عاما؟
يركز الصهاينة كثيرًا على حفظ روابط الدم بين الجاليات اليهودية، ولهذا السبب يركزون كثيرًا على الزواج فيما بين اليهود وهم يمنعون أتباع الديانات الأخرى غير اليهود من الدخول في العائلات اليهودية.
في هذا السياق يثير شلومو ساند بعض الشكوك ويتساءل أنه إذا لم يكن هناك قواسم مشتركة ثقافية بين الجاليات اليهودية، فكيف يمكن لروابط الدم أن تجمع أو تفصل فيما بينها. هذه الفكرة تبحث عن تصور تفوقي قائل بأن اليهود هم مجموعة عرقية متفوقة من حيث الدم والعرق.
يكتب مؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي" عن هذا الأمرقائلا: لقد مرت أوروبا بفترات إذا ما اعتبر شخص اليهود ينتمون إلى أمة ذات أصول مختلفة يُطلق عليه على الفور معاد للسامية.
اليوم، كذلك يوصف بمعاداة السامية كل من يجرؤ على القول بإن الأشخاص الذين يطلق عليهم يهودًا في العالم لم يكونوا أبدًا شعبًا أو أمة وما زالوا ليسوا كذلك.
يسعى مؤلف كتاب "اختراع الأمة اليهودية " إلى إثبات حقيقة أن الشعب أو الأمة تشكلت في القرون الجديدة وقد أعطت هوية للبلدان والأمم. وكما أن كل شخص يتكون من خصائص فردية وماهوية ومتنوعة، فإن التأريخ أيضًا له هوية متحركة كسائر الأشياء الأخرى.
ومن خلال تحليل النظريات والروايات التاريخية للشعب اليهودي يحاول شلومو ساند في كتابه "تاريخ اختراع الشعب اليهودي" توعية القارئ بهذه النقطة وهي أن ما يُدَوَّنُ من تأريخ الشعب اليهودي هو أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع. فقد سعى العديد من الكتاب والمهتمين بالآثار إلى إنشاء مجتمع ديني متماسك.
وقد استعانوا كثيرا بسياسات الماضي المجيدة لتوفير مستقبل آمن ومستقر لمركز طقوس في القدس؛ هم الذين كانوا مهتمين بفصلها عن المجتمع الوثني، إخترعوا مقولة شعب إسرائيل المختار المقدس، الذي كان منشأهم في مكان آخر.
يذكر في كتاب "اختراع الشعب اليهودي" أن بعض القادة والحكام والأبطال والملوك والكهنة الذين وردت أسماؤهم في الكتاب المقدس ربما كانوا شخصيات تاريخية، و لم تكن الأزمنة والعلاقات والدوافع والسلطة الحقيقية وحدود حكمهم ونفوذهم وطريقة عبادتهم وكل ما هو مهم حقًا في التاريخ، سوى نتاج للخيالات والتوهمات التي رافقت العصور اللاحقة. وبنفس الطريقة، فقد نشأ في وقت لاحق المستهلكون للفكروالدين وقصص الكتاب المقدس، ضمن مجتمعات دينية يهودية.
يعطي شلومو ساند مثالاً لكيفية النظر إلى الكتاب المقدس. يقول:
"معرفة معلومات عن مسرحية يوليوس قيصر لشكسبيرعن روما القديمة مثلا أنها تتناول شيئا قليلا عن بعض الوجوه وتتحدث الكثيرعن بريطانيا في أواخر القرن السادس عشر، فهذه المعرفة لا تقلل من قوة المسرحية بل تساعدنا على النظر إلى شهادتها التاريخية من زاوية مختلفة".
فيلم "Battleship Potemkin" "المدمرة بوتيمكين "
للمخرج سيرغي أيزنشتاين والذي تدور أحداثه حول أحداث ثورة 1905. يتحدث قليلا جدًا عن هذه الثورة في حين يتحدث كثيرًا عن أيديولوجية الحكومة البلشفية في عام 1925. يجب أن يكون موقفنا تجاه الكتاب المقدس هو نفسه. ليس الكتاب المقدس رواية يمكن أن تعلمنا أي شيء عن الأزمنة التي يشرحها، ولكنه خطاب ديني مفيد حول فترة كتابته.
يعتقد مؤلف كتاب اختراع الشعب اليهودي أن النظر إلى الكتاب المقدس منذ ظهور التأريخ اليهودي قبل عصر القومية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعطى الكتاب المقدس دورا رائدا في إظهار نشوء الأمة اليهودية اليوم.
فقد نُقل هذا الكتاب من رفوف الكتب الدينية إلى قسم الكتب التاريخية. لقد قرأها أتباع القومية اليهودية تدريجيًا و كأنه شهادة حقيقية لسيرورة الأحداث. وفي الواقع، تم اعتبار هذا الكتاب كتابا أسطوريا تاريخيا، أظهر حقيقة لا تقبل الشك.
ومن هذا التاريخ فصاعدًا وجد الكتاب المقدس مكانة مقدسة غير دينية، بحيث ينبغي أن لا يقترب منه أحد، وينبغي أن يكون إنطلاقا لأي اعتبار يُخَصَّص للشعب والأمة. أصبح الكتاب المقدس رمزًا لشعب يشير إلى الأصل المشترك للأشخاص ذوي الخلفيات المختلفة والثقافات غير الدينية.
هذا على الرغم من أن الجميع ما زالوا مكروهين بسبب دينهم الذي نادرا ما كانوا يمارسون طقوسه. كان هذا هو المعنى المختبئ في هذه الصورة لأمة عريقة كاد تاريخها أن يصل إلى فترة الخلق في أذهان الناس الذين وجدوا أنفسهم مشردين في الحداثة الفوضوية.
هذه العقلية المتوهمة عن الشعب اليهودي و تهجيرهم جاءت في إعلان قيام الكيان الإسرائيلي المزيف عام 1948 من أجل أضفاء الشرعية على احتلال الأرض الفلسطينية، فقد جاء في الإعلان: "بعد تهجيرهم قسراً من أرضهم، ظل الشعب مخلصا لهذه الأرض طوال فترة النزوح ولم ينقطعوا عن الدعاء والأمل من أجل عودتهم إلى هذه الأرض واستعادة حريتهم السياسية هناك".
يكتب شلومو ساند في الفصل الثالث من كتاب "اختراع الشعب اليهودي تحت عنوان " اختراع المنفى: الدعوة إلى الدين وتغييره " أن الأسطورة الوطنية كانت تقضي بأن يجبر اليهود، والمهاجرون أو المهجرون واللاجئون، أن يعيشوا في منفى بعيد وصعب. ليتشردوا في البراري و الصحاري إلى أقصى بقاع الأرض حتى يؤدي ظهور الصهيونية إلى عودتهم الجماعية إلى وطنهم اليتيم.
هذا الوطن لم يكن أبدا للفاتحين العرب، فقد نشأ من هنا إدعاء شعب بلا أرض لأرض بلا شعب ، وأصبحت رواية المنفى الكاذبة هذه رواية رسمية ووطنية كتبها الصهاينة. رواية كانت نتاج تاريخ خيالي.
لقد وصلنا إلى نهاية الحلقة الأولى من البودكاست "اختراع الشعب اليهودي". سنتحدث أكثر في الحلقة القادمة عن جوانب من فبركة وتزييف العرق اليهودي إن شاء الله تعالى.
لدينا الكثير من ملفات البودكاست لمجموعة متنوعة من المواضيع التي من المؤكد أنك ستستمتع بالاستماع إليها.
شكرا جزيلا.
وإلى اللقاء